تضع الحرب الاعلامية المحتدمة بين سوريا و"تيار المستقبل" القوى السياسية امام حسابات مباغتة قد تضطرها الى اعادة تموضعها في الكثير مما يتصل بالاستعدادات للانتخابات النيابية. واذا كان من خلاصات عاجلة لهذه الحرب المرشحة للتصعيد باطراد فهي ان نارها اشتعلت بأذيال "العلاقات الديبلوماسية" واعادة التطبيع بين لبنان وسوريا وهي لا تزال في المهد مهددة باطاحتها الى ما بعد الانتخابات مما يقيم حاجزا قاهرا واقعيا هذه المرة وليس دستوريا وقانونيا فقط يحول دون المضي في علاقة ازدواجية غير مألوفة بين الدول عبر "مجلس أعلى" وسفارات على سطح واحد.
واذا كانت هذه العقبة الطارئة ستشاغل عهد الرئيس ميشال سليمان وتربكه بقوة على غرار ما اثارته زيارة وزير الداخلية المحسوب عليه مباشرة لدمشق، فان تعقيدات اشد سخونة وارباكا ستنسحب على التقديرات المتسمة بكلاسيكية سقطت صلاحيتها واهليتها للقوى السياسية الاخرى في معسكري الغالبية والمعارضة.
فوحدهما سوريا و"تيار المستقبل" من دون سائر اللاعبين الآخرين يخوضان حرباً الآن لا يأبهان معها لأي حسابات انتخابية او سواها امام الهدف الحصري والخلفية الحصرية اللذين فجرا هذه الحرب في هذا التوقيت. ولعل لا مبالغة في ربط مجمل ظروف هذه الحرب بالمحكمة الدولية مع اقتراب العد العكسي لمرحلة حاسمة في ولادتها عقب التقرير المنتظر لرئيس لجنة التحقيق الدولية الشهر المقبل، علما ان هذا الاستحقاق الكبير سيلفح الواقع اللبناني بقوة نارية مقبلة على ما يدركه الجميع ويتحسبون له.
تنحو هذه الحرب الاعلامية في اتجاهات غير مألوفة وخارج الانماط والاطر "النظامية تماما. بادرت سوريا الى فتح النار على"تيار المستقبل" بشريط متلفز عبر اعلامها الرسمي المباشر وليس عبر الادعاء القضائي او المحاكم او "قنوات التنسيق" الرسمية بين لبنان وسوريا، وارادت عبر هذا الهجوم الاستباقي وصم "تيار المستقبل" بتمويل مصدر الإرهاب التكفيري.
وردّ "تيار المستقبل" بهجوم مزدوج عبر اعلامه المباشر خارج اطار القنوات القضائية اللبنانية بنشر وقائع تحقيقات أمنية تثبت ان "فتح الاسلام" هي فصيل عامل وعضوي لدى المخابرات السورية، وكذلك بتحريك الجامعة العربية عبر طلب لجنة لتقصي الحقائق.
تعيد هذه الحرب في اقل التقديرات مسار ما يسمى "اعادة التطبيع" بين لبنان وسوريا الى نقطة البدايات الغضة الطرف مع احتمال شديد الخطورة باعادة رسم خط بياني بالغ التأزيم والسخونة لمجمل الوضع السياسي. فهي تبدو القناة الصراعية المفتوحة على لحظة تمس الفريقين المتبارزين بكل شيء فيما سائر الآخرين يغرقون اما في لعبة فرز تقليدية او في حسابات انتخابية متقلبة ومبكرة ولا يقوون على تأخير الساعة الداهمة. ولا غرابة والحال هذه ان يحاصر تبادل النيران المتمادي كل المشهد الداخلي بكل عدته وعناصره من حكم وقوى سياسية واجهزة امنية وسلطة قضائية ووسائل اعلام، ويفرض على الجميع تغييرا قسريا لبرمجة الاستحقاقات وليس ادل على ذلك من الارباك الواضح والماثل في الكثير من السلوكيات السياسية والامنية والاعلامية التي تظهر خلطا ضائعا بين عاملين هما التوظيف السياسي الداخلي لاكتشاف الشبكات الارهابية في لبنان ومحاولات زجها في متاهة تصفية حسابات انتخابية، واندلاع الحرب الاستباقية لولادة المحكمة الدولية.
بذلك قد تغدو المفارقة الاخرى لهذه الحرب الاقوى من سائر المتفرجين، حتى لو كانوا حلفاء يناصرون هذا الفريق او ذاك او محايدين على قلة هؤلاء، هي انها قد تحرق الكثير من الجوانب الداخلية والمحلية التي يستجمعها الافرقاء السياسيون للمعركة الانتخابية. فمثل هذه الحرب لن يكون انعكاسها اقل من استحضار مناخات انتخابات 2005 بكل ما يمكن ان يشكله هذا الاستحضار من نقاط قوة وضعف وعوامل افادة وخطر على مجموع الطامحين الذين باغتتهم حرب سهت عن حساباتهم.
nabil.boumounsef@annahar.com.lb
"النهار"




















