يقف خبراء الاقتصاد مذهولين امام تداعيات انهيار النظام المالي العالمي على ما عداه من مجالات الانتاج، ان على مستوى الدول او على مستوى الافراد. لقد تعلموا ان المعادلة تكون بأن انهيارا اقتصاديا يؤدي الى انهيار مالي. غير ان الذي يحصل حاليا هو ازمة من صنع السياسة الجشعة، واغماض عين الرقابة على ما يجري في الاسواق المالية لتغطية ضعف بنيوي في الاقتصاد الاميركي، كان لا بد من ان يكتشف في آخر المطاف، لنكون تاليا امام حالة انهيار اقتصادي عالمي، يضاهي قسوة ما اصاب العالم عام 1929، نتيجة الكساد الكبير الذي عم العالم لسنوات عديدة The Great Depression والذي أنتج بذور الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945.
عام 1989 دخل الاقتصاد الاميركي خصوصا والعالمي بشكل عام مرحلة ازدهار ونمو دامت ما يزيد عن ثماني سنوات نجمت عن الزيادة في الانتاجية.
ترافق ذلك مع العولمة التي لعبت دورا اساسيا في التوسع الاقتصادي، والتي اعتمدت للحد من آثاره التضخمية. فاذا بالولايات المتحدة تستورد سلعا استهلاكية من الصين ودول جنوب شرق آسيا، وتصدر اليها منتجات الصناعات الثقيلة من معدات واسلحة وطائرات وتقنيات عالية وخدمات مالية. وقد استمر هذا التوجه الى حين تعرضت اسواق جنوب شرق آسيا عام 1999 لعطب نتج عن منافسة الصين تلك الاقتصاديات الناشئة مما ادى الى تباطؤ اقتصادي عالمي ادى الى ظهور بوادر تلاش في الاقتصاد الاميركي سنة 2000 خاصة بعد تنفيذ اتفاقية نافتا NAFTA بين اميركا وكل من كندا والمكسيك. وكانت احداث 11 ايلول 2001 في كل من نيويورك وواشنطن فانهارت الاسواق العالمية الى مستويات دنيا حتى لامس مؤشر "داو جونز" 8000 نقطة.
في هذه الاجواء اندفع الاحتياطي الفيديرالي الاميركي في سياسة تخفيض متلاحق لأسعار الفائدة حتى بلغت 1%، مما ادى الى زيادة القوة الشرائية للمستهلك الاميركي، ولم يصاحب ذلك ازدياد في معدل الاستثمار الانتاجي ولا في زيادة تشغيل الطاقة الانتاجية للصناعة، فبالرغم من ازدياد معدل النمو خرجت الولايات المتحدة من نظام العمالة الكاملة (3%) الذي عرفته في معظم التسعينات. فمن جهة فوائد منخفضة وحوافز ضريبية ومن جهة اخرى معدلات متزايدة في البطالة.
وامام هذه التناقضات كان لا بد من اجتراح صيغة جديدة تؤمن النمو للاقتصاد الاميركي دون الاستثمار في انتاج السلع الاستهلاكية التي تؤدي الى التضخم في حال انتاجها محليا بسبب الفارق الكبير في كلفة اليد العاملة.
فكان "الاقتصاد الجديد" اقتصاد تأمين السيولة المفرطة لاقتصاد مبني على التوسع في الاستثمار العقاري بشكل يؤمن الغطاء المطلوب لاظهار الاقتصاد الاميركي في حالة نمو اقتصادي مستدام يخفض من نسب البطالة.
وكان لا بد من تأمين الادوات الضرورية فكان تحرير الاسواق المالية من قيود الرقابة، واعتماد الانترنت Internet كوسيلة اساسية في التجارة والاسواق المالية وتضخيم عمل المصارف الاستثمارية التي تعمل بدون رقابة معتمدة على مبدأ ان السوق في النظام الرأسمالي الصرف تصحح نفسها بدون تدخل حكومي، وذلك عكس المصارف التجارية التي تخضع لرقابة لجان تابعة للاحتياطي الفيديرالي الاميركي. ومع الجشع وتبسيط شروط فرص النجاح واهمال الخبرة، اصبح نجاح كل من يعمل في ادارة الاموال في الاسواق المالية (البورصة) اكيداً لسهولة الاستثمار في المشتقات المالية Derivatives التي تعتمد على فوارق بسيطة في السعر نتيجة فروقات المخاطر وبالتالي الفائدة التي تحددها مؤسسات التصنيف. وكذلك اعتماد مبدأ تسنيد القروض العقارية بخلق سيولة ورقية ببيع سندات دين مبنية على سندات اساسية لمرات عدة بعد ضمانها من مؤسسات الضمان AIG وتصنيفها من مؤسسات التصنيف. هذه السيولة الورقية لا تؤثر على معدلات التضخم لبقائها متداولة ضمن مجموعة المصارف الاستثمارية مغرية المصارف التجارية بالانغماس في هذه المخاطر لاظهار ارباح في ميزانياتها، وبالتالي عوائد عالية لمساهميها، وارتفاع في اسعار اسهمها، وبالتالي مداخيل اسطورية لمديرها وموظفيها عبر المكافآت الاضافية ناهيك عن الضرائب الهائلة التي جنتها الحكومات من تلك المؤسسات المتخمة بالارباح الكاذبة.
هكذا كان القسم المالي من المغامرة، وفي موازاة ذلك كان انغماس الولايات المتحدة في حربين في افغانستان والعراق وصراع بواسطة فرقاء آخرين في السودان ومحاولة محاصرة روسيا خليفة الاتحاد السوفياتي لقدراتها العسكرية وثرواتها الطبيعية الهائلة باغراء دول اوروبا الشرقية وبقايا الاتحاد السوفياتي كأوكرانيا وجيورجيا المتاخمتين لحدودها بالانضمام الى الحلف الاطلسي واقامة قواعد صاروخية اميركية على اراضيها.
وقد أدى اعتماد مبدأ الحسم العسكري والتهديد به الى غرق الاسواق المالية والمواد الاولية والغذائية والنفط في المضاربة العمياء بدون رقابة من المسؤولين مما أدى الى ارتفاع الاسعار الى مستويات خيالية، مما هدد بالتضخم عالمياً فارتفعت الفوائد وانخفضت في اميركا اسعار العقارات المبنية المباعة بموجب سندات رهن عقاري (Subprime Mortgages) فظهرت الخسائر الهائلة لمن يحمل سندات الدين. فلما سقط السند الاساسي سقطت السندات الاخرى التي استعملت لتأمين السيولة الورقية فانطبقت نظرية الدمينو واستفاقت المصارف، التجارية منها والاستثمارية، على قيم لأصول لا قيمة لها أُجبرت على تنزيلها من موجوداتها فضعفت ميزانياتها الى درجة الافلاس في علم المحاسبة. إذ إن بنك الاستثمار "ليمان براذرز" (Lehman Brothers) المفلس كانت له موجودات هالكة (Toxic debt) تزيد عن 450 مليار دولار على رأسمال 16 مليار دولار.
الفشل في الحسم العسكري في العراق وافغانستان أدى الى انكشاف الضعف البنيوي في الاقتصاد الاميركي والى أزمة ائتمان بين المصارف الاميركية المتورطة في سندات الرهن العقاري وتجارة المشتقات المالية التي فاقت قيمتها الورقية 668 تريليون دولار والتي يقدّر ان حوالى 50 تريليونا منها، لم تصفّ وما زالت تتداول في الاسواق المالية العالمية. في حين أن السندات العقارية الفعلية قيمتها حوالى 15 تريليون دولار في سوق عقارية اميركية تقدر بحوالى 18 تريليون دولار.
كما ان هذا الانكشاف أضعف قدرة الولايات المتحدة على الضغط على الدول ذات الاحتياطات الكبيرة بالعملة الصعبة كالصين والهند وروسيا والامارات العربية والسعودية وغيرها لاعادة هذه الرساميل الى اميركا لاستثمارها في سندات خزينة اميركية تؤمن التمويل للعجز السنوي في موازنتها التي تقرب من تريليون دولار والعجز في ميزانها التجاري الذي يتجاوز 800 مليار دولار علماً ان الصين تستثمر حالياً حوالى تريليوني دولار في سندات الخزينة الاميركية، نظراً الى مصلحة الصين في نهوض الاقتصاد الاميركي من كبوته لكونه يستوحذ على 30 في المئة من صادراتها.
ومن تداعيات أزمة الائتمان هذه انخفاض اسعار سلع مثل النفط والمواد الأولية الى المواد الغذائية الى النصف احياناً نتيجة الطلب على السيولة من الممولين والمضاربين وتأثير ذلك عن دول نفطية كروسيا وايران وفنزويلا التي تعتمد سياستها الخارجية على أسعار مرتفعة للنفط، وعلى قدرتها على التأقلم مع أسعار منخفضة للنفط بدون تغيير في سياساتها المناهضة لسياسة الولايات المتحدة الاميركية.
إن تداعيات أزمة الائتمان ما زالت في بداياتها. إذ ربما تتكرر في اسواق بطاقات الائتمان وفي اسواق بيع التجزئة وبيع السيارات بالتقسيط (انخفض مبيع شركة General Motors للسيارات 45 في المئة في شهر تشرين الاول 2008 وهي أكبر نسبة انخفاض منذ عام 1945). كما أنها يمكن أن تؤثر على انتاج المواد الغذائية لعدم قدرة المزارعين على تمويل زراعاتهم، وتؤسس لأزمة غذائية عالمية لعدم قدرة القطاع المصرفي العالمي على التسليف.
إن الحلول المطروحة لتسييل المصارف إن من طريق شراء الحكومات الموجودات الهالكة للمصارف او شرائها حصصاً في رأسمالها هي حلول ظرفية وآنية ولا تؤدي الى الخروج من الازمة. فيما التوسع في الانفاق الحكومي على المشاريع الانشائية باعادة تأهيل البنى التحتية من طرق وجسور ومرافئ عامة من مطارات ومرافئ بحرية ومحطات كهرباء وطاقة هو الوسيلة الفضلى للخروج من أزمة البطالة المتوقعة نتيجة الكساد الكبير المتوقع.
ان الازمة المالية العالمية ستؤدي الى كساد اقتصادي عالمي كبير لسنوات عدة يجمع بين البطالة المرتفعة والفوائد المنخفضة والسيولة العالية التي تؤسس لحالة تضخمية وفوائد مرتفعة وانخفاض تدرجي للقدرة الشرائية للعملات عموماً والدولار خصوصاً.
إن الازمة الاقتصادية التي يتخبط بها العالم بأسره هي بمثابة سدل الستارة على السياسة الاقتصادية لرئيسة الوزراء البريطانية السابقة مرغريت تاتشر والتي تلقفها الرئيس الاميركي رونالد ريغان وبنى عليها "المحافظون الجدد" سياستهم الاقتصادية في عهد الرئيس الحالي جورج بوش الإبن. والرجوع الى سياسة الليبراليين التي كان يعتمدها الرئيس جون كينيدي وتتميّز بالتخطيط والرقابة والتوجيه، والتي يتوقع أن ينتهجها الرئيس المنتخب للولايات المتحدة باراك أوباما هي السياسة التي يطالب بها الاوروبيون والآسيويون الذين سيصبحون مشاركين في النظام المالي العالمي الجديد بعدما كانوا تابعين لنظام مالي عالمي آحادي القرار.
(أجزاء من مقالة أطول)
(رجل اعمال)
"النهار"




















