قبل سنتين وأكثر، كان المفكر العربي عزمي بشارة يحاضر في فندق »البريستول« عن مستقبل العلاقات اللبنانية السورية. طُرح عليه السؤال البديهي الذي كثيرا ما تردد في العقود الماضية »ماذا تريد سوريا من لبنان؟« لم يتردد بشارة في الإجابة فقال: لم تعد المشكلة الآن ماذا تريد سوريا من لبنان، بل المشكلة ماذا يريد لبنان من سوريا؟
كثيرون حينها لم يأخذوا كلام بشارة على محمل الجد، اذ ليس طبيعيا أن يُسأل بلد ماذا يريد من بلد آخر لم يعترف يوماً باستقلاله، بل مارس عليه الكثير من أعمال الوصاية المباشرة وغير المباشرة، وهو متهم بقتل أحد رؤساء وزرائه. لكن الارتباك الذي يعيشه فريق من اللبنانيين اليوم، وهو قابض على السلطة، يعيد بحرارة طرح السؤال »ماذا يريد لبنان من سوريا؟«.
لقد مرت العلاقات اللبنانية السورية منذ استقلال لبنان في مراحل متفاوتة من الصداقة والأخوة والخصام، بينها ثلاثون عاما من الوصاية السياسية والأمنية المباشرة، لم تكن موفقة في معظم الاحيان. وما من عاقل في لبنان وسوريا يريد العودة الى هذه التجربة غير الحميدة. وليس سراً أن المسؤولين السوريين يؤكدون في السر والعلن أن جيشهم لن يعود الى لبنان، ليس تعففاً (اذ لا عفاف في السياسة والمصالح)، بل لأنهم استفادوا من تجربة الماضي ويشعرون فعلا بأن وجودهم في لبنان يضعهم في موقف ضعيف، أقل ما يقال فيه إنه فخ مكلف. كما يشعرون أن حلفاءهم وأصدقاءهم في لبنان أكثر قوة من ذي قبل، واذا لم يتمكنوا (افتراضا) من تأمين مصالح سوريا، فهم قادرون على الأقل على منع الضرر عنها. حتى ان بعض خصوم سوريا سابقا باتوا ينشدون صداقتها بكل مفهوم الصداقة البعيد عن التبعية. ومن هؤلاء العماد ميشال عون الذي يستعد لزيارة سوريا، لا تابعا ولا عميلا، بل كصديق وجار وشقيق، وهو لم يعتد أصلا أن يسلم أوراقه أو رقبته لأحد.
في السنوات الماضية طرحت مقولة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا من أبوابها الواسعة في الداخل والخارج. وافقت سوريا للمرة الاولى على إقامة هذه العلاقات، وكانت زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى دمشق مفصلا تاريخيا في هذا المجال. ويبدو أن فتح سفارة لسوريا في لبنان فتح مكامن القلق لدى فريق من اللبنانيين. تكاثرت بعد ذلك المطالب، ومع كل مطلب توافق عليه سوريا، تفرّخ مطالب أخرى، وكأن المطلوب لي ذراع دمشق وإبقاء الخصومة معها قائمة، لدرجة أن زيارة من وزير الداخلية زياد بارود الى العاصمة السورية، أثارت ضجيجاً لا تبرره جلسة لمجلس الوزراء انتصر فيها للوزير المستقل.
خلاصة القول ان مجرد استعادة بسيطة لتاريخ الجوار اللبناني السوري، يظهر بما لا يرقى اليه شك، أن الخصومة مع سوريا كانت مكلفة للبنان، سياسيا واقتصاديا وأمنيا، بناء على الجغرافيا الطبيعية التي وضعت هذا البلد على حدود دولة تشكل منفذه البري الوحيد الى العرب والعالم، باعتبار أن حدوده مع فلسطين محكمة الإغلاق الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. وان أي عاقل في لبنان تحكمه المصلحة والحسابات قبل أي شيء آخر، لا يؤثر والحالة هذه الخصام مع سوريا، مثلما يرفض الانبطاح أمامها، إلا إذا كان هذا »العاقل« يعمل بالأجرة لحسابات ومصالح أبعد من مصلحة لبنان وسوريا.
إن صداقة سوريا أقل كلفة بكثير من خصامها.. بعيدا عن العواطف والقصائد والأغاني وحفلات الزجل المشتركة. شرط أن يعرف اللبنانيون جيدا معنى الصداقة القائمة على احترام النفس قبل احترام الجار. وقديماً قيل »الجار ولو جار«.. وقيل ايضا »جارك القريب ولا أخاك البعيد«. اللهم فاشهد!
"السفير"




















