بغياب مندوبي غزة وحضور نحو 1800 مندوب من الداخل والخارج واكثر من 70 وفدا عربيا واجنبيا وفعاليات ومنظمات عربية ودولية، ورجال دين مسلمين ومسيحيين، عقدت حركة "فتح" مؤتمرها السادس بعد 20 عاما على الخامس، ولأول مرة داخل فلسطين.
وتوافد المشاركون إلى قاعة بالقرب من كنيسة المهد في مدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية التي احتضنت المؤتمر منذ الصباح الباكر وتزينت بالأعلام الفلسطينية، وسط حضور إعلامي محلي وعربي وأجنبي كبير.
افتتح الرئيس الفلسطيني محمود عباس المؤتمر مستذكرا كوكبة المناضلين الذين اطلقوا شرارة الثورة من خلال اطلاق حركة "فتح" وعلى رأسهم الرئيس الراحل ياسر عرفات، ليؤكد ان الفلسطينيين يسعون للسلام مع اسرائيل ولكن "المقاومة" ستبقى احد الخيارات، وان اي حل يجب ان يستند الى دولة بحدود الرابع من حزيران 1967 عاصمتها القدس وبحل لقضية اللاجئين.
وقال عباس في كلمة سياسية مستخدما تعبيرا يشمل المواجهة المسلحة مع اسرائيل والاحتجاجات غير العنيفة: "اننا في الوقت الذي نؤكد اعتمادنا خيار السلام والتفاوض على قاعدة الشرعية الدولية نحتفظ بحقنا الاصيل في المقاومة المشروعة التي يكفلها القانون الدولي".
وأكد أن "الهدف الوطني الأسمى، هو الاستقلال وإقامة الدولة وعاصمتها القدس، وحسم جميع قضايا الوضع الدائم وفي مقدمها قضية اللاجئين التي هي جذر همنا وأساس نكبتنا ومفتاح مستقبلنا".
وقال: "الكثيرون لامونا في كامب ديفيد، على أننا رفضنا عروضا تاريخية، لكن الحقيقة أنهم لم يعرضوا علينا شيئا ملائماً لصالح القضية لنقبل به". اضاف "إننا أيها الأخوات والإخوة نقوم بعملية مزدوجة صعبة ومتداخلة مفادها، مفاوضات صعبة تم تجميدها في عهد الحكومة الإسرائيلية الحالية، وننتظر ان تعود بعد إعلان إسرائيل الصريح الموافقة على حل الدولتين، وتجميد الاستيطان في جميع أراضينا وبخاصة القدس. وفي ذات الوقت الانتقال بالمفاوضات من واقع الحكم الذاتي المحدود إلى واقع الدولة الحقيقية، مع مواصلة المطالبة بالضغط على إسرائيل لإزالة الحواجز والإفراج عن أبنائنا المعتقلين ووقف الاستيطان والاجتياحات".
وتابع: "وهنا أشير إلى أن القدس تتعرض منذ بدء الاحتلال لحملة بشعة لطمس عروبتها، وقد شهدت الأشهر الأخيرة تصعيدا في هذه الحملة، من خلال تكثيف النشاطات الاستيطانية وهدم المنازل ومصادرتها، وعزل المدينة المقدسة عن باقي الأراضي الفلسطينية، ومحاصرتها بسلسلة من المستوطنات والجدران والحواجز، ضمن خطة تطهير عرقي، تريد دفع المواطنين خارج مدينتهم، لمحاولة فرض أمر واقع يستبق مفاوضات الوضع النهائي، التي يجب أن تقود إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة العام 1967، وفي مقدمتها القدس عاصمة دولتنا الفلسطينية. إن هذه الهجمة المتصاعدة والمترافقة برفض إسرائيلي لوقف النشاطات الاستيطانية، كفيلة بإجهاض الجهد الدولي لإحياء عملية السلام. لقد ساهمت الهجمة الاستيطانية في السنوات الماضية، في تبديد زخم الآمال التي أطلقها توقيع اتفاقات السلام في العام 1993، وفي إثارة الشكوك لدى شعبنا، حول جدوى وجدية العملية التفاوضية بأسرها، وفي نشر أجواء اليأس من إمكانية التوصل إلى السلام. وقبل يومين فقط قدمت حكومة إسرائيل حمايتها للاستيلاء على بيوت مقدسية في الشيخ جراح، عائلتي غاوي وحنون في إطار سياسة تطهير عنصري وسلب لبيوت المقدسيين لا مثيل لها في عالم اليوم"، مشددا على انه "وواهم من يعتقد اننا نقبل بشرعية ووجود الاستيطان، وواهم من يظن اننا نقبل المساومة على أرضنا وحقوقنا"، وعلى أن "الهجمة المتصاعدة ضد القدس والمترافقة برفض إسرائيلي لوقف النشاطات الاستيطانية، كفيلة بإجهاض الجهد الدولي لإحياء عملية السلام".
وقال: "الدولة الفلسطينية أضحت موضع إجماع دولي، اذن أقول لكم بكل الأمانة والصدق، ان قيامها على جميع الأراضي التي احتلت في العام 67 بما فيها القدس الشريف أضحت مسألة وقت. وانجاز حل عادل لقضية اللاجئين وفق القرار 194 ومبادرة السلام العربية، ومواصلة جهدنا المتصل لتشييد البنى التحتية وركائز الدولة القادمة، عبر عمل السلطة الوطنية الفلسطينية".
وذكر عباس بالتدخلات الاقليمية في التفاصيل الفلسطينية، وقال "كان من نتائج النكبة أن قامت عدة ثورات وانقلابات في عدد من الدول العربية، يتضمن بيانها الأول باستمرار شعار تحرير فلسطين، ثم لا يلبث النظام الجديد أن ينشغل بهمومه الإقليمية والداخلية، حتى كادت قضيتنا أن تنسى تماما، أو أن تعتبر مجرد قضية لاجئين".
وتناول الوضع الفلسطيني الداخلي، معترفا بأنه "بفعل انسداد آفاق عملية السلام، وأيضا بسبب أخطائنا، وجملة من ممارساتنا وسلوكياتنا المرفوضة جماهيريا، وأدائنا الضعيف، وابتعادنا عن نبض الجماهير، وضعف انضباطنا التنظيمي، خسرنا انتخابات المجلس التشريعي الثانية. وبعد ذلك خسرنا غزة، وأوشكنا على خسارة ما تبقى من السلطة".
واعتبر أن "اشتراط حماس الاتفاق المطلق على أدق التفاصيل أو لا اتفاق، يعني اشتراط المستحيل، ذلك أن الساحة الفلسطينية لا يمكن أن يصل الأمر فيها إلى حد الاتفاق المطلق".
وأكد أن "الانتخابات التشريعية والرئاسية يجب أن تجرى في جميع أنحاء الوطن، في غزة والضفة والقدس، ولن نسمح لكائن من كان بلعب دور الطابور الخامس لتقويض هذا الأساس الديمقراطي لحياتنا وعلاقاتنا".
وشدد على أن "بناء وتعزيز صمود جبهتنا الداخلية، يتطلب حسم العلاقة مع حركة حماس، أولا بينها وبين فتح وبذات القدر وربما أكثر، حسم العلاقة بينها وبين الفصائل ومنظمة التحرير والسلطة".
كما شدد على أن "مهمة تطوير وتفعيل عمل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية يحتل أهمية قصوى، ويجب المبادرة على الفور للتعاون معها مع أشقائنا ورفاقنا في الفصائل والمستقلين والفعاليات الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني لإنجاز هذه المهمة".
في ردود الفعل، انتقدت حركة "حماس" بشدة خطاب عباس. وقال المتحدث باسم الحركة سامي أبو زهري في تصريح لوكالة "يونايتد برس انترناشونال"، ان "خطاب (عباس) مليء بمصطلحات وأوصاف سيئة وغير لائقة بحركة "حماس"، وهو مليء بالتهريج والتلفيق ولا يؤسس لأي مصالحة".
اسرائيليا، اعتبر وزير الإعلام والشتات يولي إدلشتاين ان مؤتمر حركة "فتح" "إعلان حرب"، في حين حذر الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس الزعماء الفلسطينيين من تشديد مواقفهم تجاه إسرائيل.
وقال إدلشتاين، وهو من حزب "الليكود"، في تصريح أدلى به إلى الموقع الإلكتروني لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، "علينا ألاّ نتصرف وكأننا لم نسمع شيئاً، علينا الخروج من حلقة الوهم بأن هؤلاء معتدلون يريدون السلام، انهم يقولون بوضوح انهم يدعمون استمرار النضال المسلح".
وقال الوزير الإسرائيلي في ما يبدو إشارة إلى الأميركيين، "انهم يفعلون الأسهل وهو اتهام إسرائيل برفض تجميد البناء في القدس ولا يرون ان ما يحصل في بيت لحم والذي يقال هناك لا يصدر عن "حماس" أو "حزب الله" أو (الرئيس السوري) بشار الأسد". أضاف "نحن نتحدث عن فتح التي يريدنا المجتمع الدولي أن نتفاوض معها، إذا كان على أي شخص أن يتحدث عن المستوطنات التي تهدد السلام فإن المستوطنة الأكثر عنفاً وتطرفاً هي دولة فلسطينية تقام وتحكم من قبل "المعتدل" الذي يتحدث اليوم في مؤتمر فتح"، في إشارة إلى عباس.
ودعا إدلشتاين الحكومة الإسرائيلية إلى مواصلة البناء في الضفة الغربية والقدس. واعتبر ان مواقف زعماء "فتح"، هي نتيجة النزاع الداخلي الفلسطيني على السلطة، وقال ان "التنافس الآن ليس على من يحكم المنطقة ويدير السلام، بل على من يقود النضال ضد إسرائيل".
كذلك حذر بيريس الزعماء الفلسطينيين من تشديد مواقفهم تجاه إسرائيل، قائلاً ان مثل هذا التوجّه سيلحق بهم أضراراً كبيرة. وقال بيريس انه لا يتوقع شيئاً من مؤتمر "فتح" إذ أصبح واضحاً أن قادة الحركة سيتسابقون خلال المؤتمر على إطلاق التصريحات المتطرفة، ولكنه يتعين عليهم أن يتذكروا انهم ملتزمون خريطة الطريق وتسوية النزاع من خلال المفاوضات فحسب.
وردا على سؤال حول استخدام عباس تعبير المقاومة قال مارك ريغيف وهو متحدث باسم رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو "تسعى إسرائيل لمصالحة تاريخية مع جيراننا الفلسطينيين.. نريد السلام والطريقة المثلى لتحقيقه هو طاولة المفاوضات".
"المستقبل"




















