وليد شقير
ليس صدفة ان تأتي رسالة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الى مؤتمر «فتح» في بيت لحم بدعوة الفلسطينيين الى التوحد لأنه «لو أجمع العالم كله على الدولة الفلسطينية لما قامت وبيتكم منقسم»، مع إيفاده وزير الإعلام والثقافة السعودي الدكتور عبدالعزيز خوجة الى بيروت للمساهمة في وقف تدهور العلاقة بين قوى 14 آذار، وتحديداً بين رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.
ففي الوقت الذي أطلقت السعودية مبادرة المصالحة العربية، بعد حرب غزة واستعداد الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما لإطلاق تحرك جدّي لاستئناف مفاوضات السلام، وسعت لاستيلاد «مصالحات» أخرى، من المصالحة مع سورية، تشمل الساحتين اللبنانية والفلسطينية، في سياق ترتيب البيت العربي، فإن المشهد تمخض عن مخاطر انقسامات جديدة. وبينما كان يُؤمل من التقارب السعودي – السوري ان ينعكس في هاتين الساحتين معالجةً للخلافات الحادة التي كانت بلغت مرحلة دموية، بين حركة «فتح» وحركة «حماس»، وبين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار، فإن مؤتمر «فتح» لم يُظهر فقط الصعوبات التي تعترض طريق المصالحة الفلسطينية، بل ألقى الضوء على انقسامات كبرى داخل «فتح» نفسها. وإذا كانت هذه الانقسامات تحمل في طياتها مخاطر تشظي التنظيم التاريخي، فإنها بوصولها الى هذا الحد، تحول حكماً دون المصالحة مع «حماس».
أما في لبنان، ففي الوقت الذي كان الاتجاه العام هو الانفتاح بين المعسكرين اللذين طبعا الانقسام خلال السنوات الأربع الماضية، والمصالحة وتكريس هذا التوجه في حكومة وحدة وطنية، بدا ان قوى 14 آذار ذاهبة الى الانقسام، فكيف يصلح التوجه نحو جمع المعسكرين اللبنانيين ومصالحتهما في هذه الحال؟
وواقع الحال ان التأقلم العربي مع الوقائع الدولية الجديدة التي أنشأها التغيير الحاصل في سياسة الولايات المتحدة بمجيء أوباما الى البيت الأبيض يخضع لامتحان دقيق ولمخاض صعب. وإذا كان العالم العربي منقسماً الى معسكرين وأكثر، فإن قادة المعسكرين وكل المعسكرات، أجمعوا على وجوب مواكبة هذه الوقائع الجديدة بسياسات جديدة سواء من الناحية التكتيكية أم من الناحية الاستراتيجية.
إلا ان هذا الإجماع لا يمنع وجود مقاربتين (أو أكثر) لهذه الوقائع، واحدة تقول بالتقاط الفرصة من اجل الإفادة من نظرة أوباما المختلفة الى المنطقة واستعداده للمبادرة من أجل تسوية سلمية للصراع العربي – الإسرائيلي، التي لن تأتي على طبق من فضة حكماً، بل تحتاج الى مخاض طويل يستحق المحاولة شرط تحسين ميزان القوى، الذي يبدو مستحيلاً من دون توحيد الموقف العربي لمخاطبة واشنطن من موقع غير موقع الضعف الحالي. وهذه المقاربة تعتبر انه تُفترض الإفادة من حاجة الغرب الى الدول العربية الغنية للمساعدة في معالجة الأزمة المالية العالمية، وترى ان تعثر ضغوط أوباما على اسرائيل لتجميد الاستيطان كشرط لمفاوضات التسوية يتطلب ضغوطاً مقابلة، شرطها الأول من بين شروط كثيرة وحدة الموقف والرؤية وفي سرعة.
وإذا كانت المقاربة الأولى سعودية، فإن المقاربة الثانية، السورية ترى في التغيير الأميركي مناسبة لامتحان هذا التغيير في ظل فقدان الأمل بوجود شريك اسرائيلي للسلام بحكم غلبة التطرف في الدولة العبرية، ومناسبة للانفتاح ومعالجة الصعوبات مع الدولة العظمى بما يتناسب مع المصالح الوطنية مثل فك العزلة واستعادة الدور عبر المشاركة في العملية السلمية من دون أوهام حول نتائجها، واعتماد سياسة تمرير الوقت، في انتظار اتضاح المعادلات الدولية والإقليمية وما سيؤول إليه ملف إيران مع الغرب.
ويحتمل الاختلاف في المقاربتين، تحت سقف المصالحة السعودية – السورية، اداء مختلفاً في التعاطي مع المصالحات العربية الأخرى وأسلوب ترتيب البيت العربي (والبيوت العربية) عبّر عنه اصلاً الرئيس بشار الأسد حين قال في معرض المصالحة انها تتم على ما يمكن الاتفاق عليه من دون ان يعني ذلك عدم وجود خلافات. ومن الطبيعي ان تعكس الخلافات اختلاف المصالح…
فسياسة تمرير الوقت بالنسبة الى سورية تعني مواصلة الإمساك بأوراق التفاوض مع واشنطن وغيرها. وبخلاف السعي السعودي الى توحيد المعسكرات لإنتاج معادلة ضاغطة على المجتمع الدولي، لا تبدو سورية مستعجلة عليها فضلاً عن ان لإيران وزناً فيها، والدليل ان محدودية مساهمتها في التشجيع على المصالحة الفلسطينية التي هي أولوية مصر المكلفة بها من المجتمع الدولي أخّرت ترتيب العلاقة بين دمشق والقاهرة.
ومن الطبيعي ان يشكل «خلط الأوراق»، وهو التعبير الذي استخدمه رئيس البرلمان نبيه بري في ما يتعلق بلبنان، بديلاً من توحيد الساحات الوطنية بين معسكرين مختلفين. ولا يعني خلط الأوراق سوى التشظي ضمن كل معسكر وفي أحد معسكري الاختلاف. إنه يتيح تمديد سياسة تمرير الوقت. أليس هذا ما يحصل في «فتح» وفي قوى 14 آذار؟




















