(المستقبل -)
لا يمكن التقليل من أهمية عقد المؤتمر العام السادس لحركة فتح، رغم العلامات والشواهد السلبية العديدة، إلا أن مجرد عقد المؤتمر بعد عشرين عاماً من الجمود، يمثل لوحده عاملاً إيجابياً كبيراً يطغى حتماً على السلبيات الأخرى التي رافقت العملية الطويلة والمعقدة لالتئام هذا المؤتمر المرتقب منذ فترة طويلة لاهميته ليس فقط للشأن الفتحاوي الداخلي وإنما أيضاً للشأن الفلسطيني العام.
عديدة هي السلبيات التي صاحبت الخطوات التحضيرية لعقد المؤتمر، أهمها القرار المفاجئ والغريب بالتئامه في الداخل الفلسطيني تحت حراب الاحتلال رغم المعارضة الصلبة من قبل قيادات وكوادر فتحاوية عديدة، مهم جدا في هذا الصدد ما يقوله المناضل المقدسي غازي الحسيني عن القيادي الذي قدم طلب الاستضافة للاردن مع توصية بالرفض، القرار هدف لاحراج واخراج عدد من القادة التاريخيين فاروق القدومي- محمد جهاد- هاني الحسن- واخرين وترجم في السياق ايضا الرغبة بعدم فتح كل الملفات والشؤون والشجون الفتحاوية، عدم إجراء رؤية نقدية جادة وصريحة لتجربة السنوات العشرين الماضية بكل تفاصيلها وابعادها السياسية والتنظيمية.
السلبية الثانية تمثلت بزيادة عدد الأعضاء بشكل غير شفاف او ديموقراطي وتحت جنح الظلام، ما يسمح بخلخلة موازين القوى داخل المؤتمر والحركة بشكل عام لصالح تيار معين الامر الذي ادى لاحتجاجات واسعة منها تهديد السيد حكم بلعاوي بتقديم استقالته وامناء سر بعض الاقاليم بالمقاطعة، أما أسوأ ما في التحضيرات فهوعدم بذل كل ما يمكن عمله من أجل مشاركة أعضاء المؤتمر من قطاع غزة، عضو اللجنة المركزية نبيل شعث مثلاً يعتقد بضرورة التعاطي مع مطلب حماس بشكل جدي وإطلاق عدد معتبر من اعضائها 500 مثلا من سجون الضفة، أما قدرة فارس فيصل إلى أبعد ذلك داعياً الى الافراج عن كل المعتقلين السياسيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بالامكان فعل ذلك طبعا غير التجاهل يدلل على ان ليس هناك رغبة بمشاركة أبناء غزة أو على الأقل الاكتفاء بحضور قرابة الـ200 من أصل 450 يفترض ان يمثلوها في المؤتمر العام.
أمر آخر سلبي رافق التحضير للمؤتمر تمثل بانعكاساته السلبية على الحوار الوطني والمصالحة، بدا الامر اشبه بالاستعاضة بالمصالحة الداخلية لفتح – ولوجزئيا – على المصالحة الوطنية الجامعة، وتكريس علامات وشواهد غير ايجابية وتشاؤمية على المشهد السياسي الفلسطيني ككل، وبتفصيل اكثر يمكن القول ان ملابسات وآليات عقد المؤتمر وردود الفعل عليها وجهت ضربة قوية الى المساعي الهادفة إلى إنهاء الانقسام الوطني والجغرافي المؤسف الحالي والذي ازداد تعمقا بعد منع أبناء غزة من المشاركة. رغم المعطيات السلبية والمحزنة السابقة إلا أن مجرد عقد المؤتمر يمثل بذاته ايجابية كبيرة تكاد تطغى على كل السلبيات الاخرى. فالتئامه بعد جمود عشرين عاما خطوة مهمة ولومحدودة لفتح والمسيرة الوطنية بشكل عام، والأهم فإن إجراء انتخابات شفافة ونزيهة لقيادة جديدة للحركة، سواء للجنة المركزية او المجلس الثوري، سيقود الى حراك وحيوية تنتج بالضرورة مقاربة مختلفة للقضايا التنظيمية والسياسية فى آن، ما ينعكس إيجاباً ولو بعد فترة على الشأن الوطني العام، يجب الايمان دوما بالمزاج الجماهيري الوطني والعنيد الذي ينحو دائما الى الوحدة والاصرار على إبقاء التناقض مع الاحتلال فقط، بينما تظل كل التناقضات الأخرى ثانوية هامشية حلها فى متناول اليد ولو بعد حين، ايجابية اخرى يجب رؤيتها وعدم تجاوزها تتمثل بانتفاء الخلافات حول البرنامج السياسي الذي يكاد يتطابق مع وثيقة الوفاق الوطني بصفتها الحد الأدنى المتوافق عليه فلسطينيا، غياب النقاش والجدال على البرنامج السياسي يجب ألا يكون بالضرورة نذير شؤم بل دليل على انسجام وتجانس الموقف السياسي ليس فقط ضمن فتح بل حتى داخل الساحة السياسية الفلسطينية بشكل عام ويبقى التباين حول الاساليب المثلى لتحقيقه مشروعة طالما انها تظل ضمن المؤسسات الشرعية والمنتخبة.
هذا المؤتمر كما يقول عن حق القيادي حاتم عبد القادر لن يؤدي الى تغييرات كبيرة بل متواضعة لن تتجاوز نسبة 20 إلى 25% في المئة، غير أنه سيلقي حتما بحجر كبير في المياه الراكدة فتحاوياً وفلسطينياً، وسيكون التغيير المأمول الشامل والجدي في المؤتمرات القادمة التي ستعقد في اجواء افضل بينما يمثل المؤتمر الحالي نقطة الانطلاق نحو اداء فلسطيني مختلف اكثر شفافية وانفتاحا واقل جمودا وانغلاقا وعلى القاعدة الصائبة في الماضي كما الان، التناقض الاساس مع الاحتلال وما عدا ذلك مجرد تفاصيل وهوامش.
() مدير مركز شرق المتوسط للاعلام




















