الوثيقة السياسية الجديدة التي قدمتها حركة فتح حول مدينة القدس المحتلة لمؤتمرها العام السادس المنعقد في مدينة بيت لحم بالضفة الغربية، والتي تؤكد أن القدس جزء لا يتجزأ من الوطن والكيان السياسي الفلسطيني، وأن الحقوق والممتلكات الفلسطينية بالمدينة حق خالص للشعب الفلسطيني، لا يجوز التنازل عنها أو التصرف بها، هي خطوة مهمة على صعيد التمسك بالمبادئ والثوابت الوطنية، ينبغي تفعيلها بشتى الوسائل والسبل للحفاظ على الهوية العربية والإسلامية والفلسطينية للقدس ، ومنع التدنيس الإسرائيلي فيها والعبث وتغيير معالمها وهويتها ومحاولة سلخها عن تراثها العربي والإسلامي.
غير أن هناك ما يجب أن تلتفت إليه فتح خصوصًا وأنها الآن في حالة اجتماع والتئام بقياداتها الحركية والثورية والسياسية في مؤتمرها العام، هو أن الاتفاق على هذه الوثيقة وإقرارها لن يكون لهما قيمة ، ولن تحقق هذه الوثيقة النتائج المرجوة ، ما لم تتوازَ معهما خطوات أكبر وأعمق تمثل انتصارًا حقيقيًّا للوطن والمصلحة الوطنية الفلسطينية وانتصارًا على الذات ، من شأنها أن تضمن النجاح الحقيقي والمثمر وتضمن النتائج المتوخاة.
وتعيد ذلك الألق الذي صنعته القيادات الوطنية الفلسطينية عبر سنوات النضال والذي أخذ اليوم الاحتلال بسياساته والانقسام الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس ، يغيبانه ويذهبان ببريقه ، وحتى لا تضيع تلك الأمجاد الفلسطينية في مقاومة الاحتلال والتضحية من أجل الشعب والأرض سدى ، فإن كل التمنيات أن تتخذ حركة فتح في مؤتمرها العام خطوات شجاعة تؤكد بها أحقيتها في قيادة النضال الوطني الفلسطيني في مسيرته القادمة والتي تمثل امتدادا لمسيرة النضال الوطني الفلسطيني منذ النكبة .
وتؤكد أنها فتح التي عرفتها الشعوب والقيادات العربية، طليعة النضال الوطني الفلسطيني والوعاء المتين لوحدة هذا النضال ، وذلك من خلال البدأ في اتخاذ إجراءات عملية حقيقية لرأب الصدع وتبديد كل الأجواء المشحونة والمتوترة لإعادة الاتصال الجغرافي والإنساني والوطني والعمل السياسي والمقاوم بين الضفة الغربية وقطاع غزة ، ومن الجانب الآخر أن تقدم حركة حماس على إجراءات مماثلة تؤكد بها صدق نواياها وتؤكد بها حرصها على وحدة النضال الوطني الفلسطيني من أجل استعادة الحق وعدم الخنوع ورفض الاحتلال.
فالاحتلال الإسرائيلي يرى في حالة الانقسام الحالية الوسيلة المثلى لتصفية القضية الفلسطينية ، وبالتالي يعمل على تكريس حالة التناحر ، ليتفرغ هو في مواصلة التهام ما تبقى من الأراضي الفلسطينية.
إن ثمة تطهيرًا عرقيًّا في القدس المحتلة يتم عبر مصادرة المنازل والاستيلاء على الأراضي والتهجير القسري للفلسطينيين من المدينة وإحلال المستوطنين الغلاة المتطرفين ، يترافق معه طرح أوطان بديلة للاجئين الفلسطينيين في أماكن الشتات أو اللجوء ، ليفرغ الاحتلال الإسرائيلي كل الأراضي الفلسطينية من محتواها الفلسطيني ومضمونها العربي والإسلامي ، كما أن الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني فتح شهية الاحتلال لابتلاع المزيد من الأراضي ، وغدا المسؤولون الإسرائيليون ومعهم أعضاء من الكونجرس الأميركي بينهم العضو اليهودي ايريك كانتور، يتحدثون بلسان مبين عن رفض العودة (أو كما يسمونها التنازل) إلى حدود عام 1976م الذي احتلت فيه إسرائيل مزيدًا من الأراضي العربية والفلسطينية.
إلى جانب أن قطار التهويد آخذ في طريقه كل دليل إنساني ومادي فلسطيني ـ عربي، فلم يقتصر الأمر على تغيير أسماء المدن العربية داخل ما يعرف بالخط الأخضر والسير قُدمًا في تبني سياسات لطرد العرب منها أو إرغامهم على الاعتراف بما يسمى بيهودية إسرائيل واعتناق مبادئها فحسب، بل إن الأمر أصبح يطول أعضاء عربا في الكنيست الإسرائيلي بالدعوة إلى طردهم كأحمد الطيبي الذي اعتبره وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف أفيجدور ليبرمان خطرا على إسرائيل ، وذلك بسبب مخاطبة الطيبي مؤتمر فتح داعيًا إلى قيام دولة فلسطينية خالية من المستوطنين.
ما يلاحظ أن التوجهات الإسرائيلية، والتي بدت اليوم بوضوح كبير عن ذي قبل، تسير نحو إلغاء الطرف الآخر ، وهذا الإلغاء لن يتم فقط بالسلاح والعدوان والإرهاب والسياسة ، وإنما أيضًا بالإيقاع بين الفلسطينيين أنفسهم، وهذا ما يجب أن ينتبه إليه المؤتمرون في فتح ، والرافضون في حماس السماح لأعضاء فتح في القطاع من حضور المؤتمر ، فغاية التمنيات أن يأخذ الجانبان بعين الاعتبار المصلحة الوطنية الفلسطينية، لأن أي خطوات توصف بأنها وطنية تتخذها إحدى الحركتين أو كلتاهما تبقى لا قيمة لها ، ما دام الانقسام باقيًا .. فهل تعون ذلك يا قيادات فتح وحماس؟ نرجو ذلك.
الوطن




















