ينطلق هذا الكتاب من التصور القائل بأن جمهرة من الأميركيين لا يعنيهم كثيرا متابعة قضايا السياسة الخارجية ومساراتها ومشاكلها وحالات الفشل التي طالما صادفتها ـ على نحو ما يقول الكاتب «مايكل إجناتييف» في عرضه النقدي لهذا الكتاب.
وفيما يستعرض المؤلف بحكم دراسته الأكاديمية العميقة وممارسته الميدانية الطويلة..مسارات السياسة الخارجية لواشنطن ما بين سنوات القرن العشرين إلى نهاية إدارة جورج بوش ـ الابن، فهو يحرص على أن يوّجه كتابه إلى الرئيس أوباما بالذات وكأنه يرسم دليلا لتوجيه السياسة الخارجية والعلاقات الدولية لواشنطن في عهد الإدارة الجديدة. ومن ثم يعمد المؤلف إلى عرض الدروس المستفادة من خبرات الماضي القريب سواء من تجربة الإمبراطوريات السابقة (الإنجليزية والفرنسية بالذات) أو من واقع خبرة أميركا ذاتها في حقبة الحرب الباردة وصراعها الذي استمر طوال أربعة عقود مع الخصم السوفييتي. ويحرص المؤلف على الخروج بخلاصة تؤكد أن أميركا، رغم موقعها القيادي في عالمها، قد تفشل لو تحركت بمفردها، لكن يمكن أن تحرز النجاح لو جاءت حركتها على أساس من تعددية الأطراف.
يستهل المؤلف كتابه بالإحالة إلى كتاب «الأمير» الذي وضعه السياسي الإيطالي القديم مكيافيللي ويعقد المقارنة بين كتاب مكيافيللي وبين كتابه الذي بين أيدينا لأنه يوجهه إلى الرئيس أوباما الذي يحله محل «الأمير» بالنسبة للسلطات الواسعة التي يتمتع بها في البيت الأميركي الأبيض.
وتركز البداية على الدعوة إلى انتهاج أسلوب الواقعية في مجال السياسة الخارجية انطلاقا من مفهوم التكافل السياسي أو الاعتماد المتبادل في إطار منظومة الدول ذات السيادة في العصر الحديث فضلا عما يسوقه المؤلف من الدروس المستفادة من عبرة تاريخ القرن العشرين حيث انتصرت حركات التحرير وعمليات المقاومة الوطنية حتى على أعتى الإمبراطوريات الإمبريالية يستوي في ذلك أسبانيا والبرتغال ثم فرنسا وبلجيكا وانجلترا.
لأن مؤلف هذا الكتاب يجمع بين برغماتية السياسي الواقعي وبين رصانة المفكر الأكاديمي.. فهو ينطلق في سطوره الأولى من حيث الإشارة إلى اثنين من محاور التاريخ الحديث:
ـ الأول كتاب عمره نحو 500 سنة.. ويحمل عنوان «الأمير» وقد كتبه ـ كما هو متواتر ومعروف ـ السياسي الإيطالي مكيافيللي ثم رفعه إلى حاكم فلورنسا الذي كان بمثابة ولي نعمة مكيافيللي شخصيا.
ـ الثاني هو كتاب عمره بالضبط من عمر الكيان الذي نعرفه حاليا باسم الولايات المتحدة الأميركية بعد أن أصدره مؤلفه الإنجليزي إدوارد جيبون في عام 1776 وهو عام استقلال أميركا.
عن الكتاب الأول يعقد مؤلفنا «ليزلي جيلب» نوعا من المقارنة بين أمير فلورنسا القديم وبين أمير البيت الأبيض المعاصر واسمه، بالمناسبة، هو باراك أوباما. وبأسلوب ساخر يقول مؤلفنا: إن كتاب مكيافيللي هو في التحليل الأخير عريضة مرفوعة من مؤلفه إلى أمير مدينته الذي تسبب في طرد مكيافيللي شخصيا من وظيفته في بلاط الحكم.. لهذا فإن كتاب «الأمير» يحوي نصائح سياسية بلغ بعضها في مضمار الخبث حد جعل الناس يجعلون اسم مكيافيللي عنوانا للانتهازية السياسية.
مؤلفنا إذن يرى في كتاب «الأمير» القديم مجرد عريضة استرحام أو طلب استخدام (إعادة توظيف) لصاحب الكتاب ومن ثم فالأستاذ ليزلي جيلب يخاطب الرئيس أوباما في تصدير الكتاب قائلا: السلطة هي السلطة ـ يا سيادة الرئيس ـ وخاصة في ميدان السياسة الخارجية وحتى في هذا القرن الواحد والعشرين.. والرؤساء هم الأمراء. وأنت المسؤول عن صنع السياسة لأنك المسؤول (أولا وأخيرا) عن قرار الحرب أو السلام.
الكتاب الآخر يحمل عنوانه الشهير التالي: «اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية». وعندنا أن قراءة الكتاب المذكور أمر يفيد كثيرا في متابعة أسباب ارتفاع وانهيار الممالك والإمبراطوريات.
عبرة الإمبراطورية
مؤلف كتابنا يكتفي من إشارته إلى كتاب «جيبون» بإيضاح أن الدرس المستفاد من عبرة «إمبراطورية» الرومان هو أن على كل الأطراف ـ حكاما أو محكومين ـ أن يتوخوا جادة الاعتدال في سلوكهم السياسي.. لا يبالغون في استخدام القوة أو السلطة إلى حد الإسراف .. بل عليهم أن يتوخوا أبعاد الواقع مهما كان قاسيا وهو ما يدعوهم بالتالي إلى موضوعية النظرة الرصينة إلى دورهم في مجتمع الدول بغير إفراط أو تفريط.
من هذه الأرضية التاريخية ـ أو الماضوية كما قد نسميها.. يتحول مؤلفنا مع سطور مقدمته الضافية إلى تخطئة القول بأننا نعيش العصر الذي أطلق عليه كاتب سياسي آخر هو فريد زكريا في واحد من أحداث كتبه العبارة التالية: عصر ما بعد أميركا.
مؤلفنا يرد موضحا أننا لا نعيش عصر ما بعد أميركا: ببساطة لأن الواقع المعاش قد يوحي لنا بأن أميركا ـ في حقبة الحرب الباردة كانت هي القوة المهيمنة على ذلك العصر المنقضي، في حين أن الحقيقة تؤكد موضوعيا أن كان هناك طرف شرس وقوي يتنافس مع أميركا في تلك الحقبة وكان اسمه بالطبع هو الاتحاد السوفييتي الذي كان بدوره قوة عظمى في تلك المرحلة.
انتقاد فريدمان
ثم يواصل المؤلف انتقاده لمقولات سبق وأن طرحها كاتب أميركي آخر هو توماس فريدمان الذي أصدر كتابه الشهير في تكريس ظاهرة العولمة تحت مقولة لخصها عنوان ذلك الكتاب وهي: الدنيا (الأرض) مسطحة (لم تعد كروية).
بمعنى أن أصبحت تتخذ مسارا أفقيا بعد أن أدت العولمة والاعتماد المتبادل وثورة الاتصالات وشبكات الحواسيب إلى تسطيحها. المؤلف يختلف مع هذا التصور فيوضح من جانبه ما يلي: الأرض ما زالت تتخذ شكلا هرميا: صحيح أن أميركا تتربع حاليا عند قمة الهرم الكوكبي، إلا أن هناك قرب تلك القمة دولا وأمما أخرى تشغل الطبقة التي تدنو تحتها مباشرة.
هنا يفتح كتابنا قوسا واسعا ليسجل فيه كلا من: الصين .. اليابان .. الهند .. روسيا .. بريطانيا .. فرنسا .. ألمانيا.. والبرازيل. ثم يلي هذا المستوى طبقات وطبقات أخرى تضم دولا وكيانات وشعوبا شتى.
ويعلق المؤلف على تصوره هذا قائلا: حتى أصغر البلدان باتت الآن تحتل مساحة ما من كيان هذا الهرم الدولي بل أصبحت تمتلك من مقاليد السلطة (بمعنى النفوذ أو التأثير) ما يكفي مقاومة نفوذ الأقوياء.
السؤال المطروح
هنا يجوز طرح السؤال: هل معنى هذا أن يترك المجال مفتوحا على إطلاقه لكي تصبح كلمة أميركا هي كلمة الحسم في أمور عالمنا بوصفها عند قمة هذا الهرم الدولي؟
يجيب المؤلف قائلا في مستهل مقولات الكتاب: هذا الوضع ليس معناه إعطاء كل السلطة لأميركا كي تهيمن أو تسيطر، ولكن معناه أن تضطلع بالمسؤولية عن أن تقود.. ليس إلى أي اتجاه يستهويها، ولكن نحو التماس الحلول للمشاكل الدولية الكبرى وفي مقدمتها مشاكل الأمن .. التجارة .. والبيئة.
ثم يحاول مؤلفنا أن يثري هذه النقطة فيستطرد على النحو التالي: إن معظم أقطار العالم تدرك تماما أنه إذا فشلت واشنطن في تنظيم الإجراءات المتخذة عالميا بشأن أي قضية كبرى .. فلن تؤدي الإجراءات إلى نتيجة مجدية.. وأنا أفهم أن إمكانات القيادة معناها إمكانات القدرة على حل المشاكل لصالح الأقطار والشعوب التي تقف هذه المشاكل في طريقها.
والمؤكد ـ يضيف مؤلف الكتاب ـ لسنا نعيش في عالم وحيد القطب (كما قد يردد البعض في إشارة بديهية إلى أميركا) بل ان حركة العالم، كما أتصور ـ تتحقق على أساس مزيج أو تشكيلة من فردانية القطب وتعددية الأقطاب.
و … ما زال مؤلف الكتاب يتحدث: وهذا يعني بالتالي أن واشنطن لا تستطيع بمفردها حل المشاكل الكبرى التي تصادف عالمنا.. فالانفراد بالحل لا يحقق النجاح، حتى مع أكثر حالات العمل العسكري تطرفا.. ومن ثم فلا بد من اعتماد مبدأ أراه جوهريا في زماننا وهو: الاعتماد المتبادل، بمعنى: التكافل والتكامل بين سائر الأطراف المؤثرة في عالم اليوم. ثم يخلص الدكتور ليزلي جيلب في نهاية هذا التصدير المسهب الذي مهّد به لطروحات كتابه فيقول في إيجاز بليغ وكأنه يخاطب ساسة بلده في أميركا: نحن نفشل إذا انفردنا.. ولكننا نحرز النجاح إذا تعاوننا مع الآخرين.
تطورات القرن العشرين
وفي نفس السياق يستعيد المؤلف مع سطور الفصل الأول من الكتاب بعض الدروس المستفادة من مجريات الشؤون العالمية على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين.
في مقدمة هذه الدروس ما كان متعلقا باكتشاف الطاقة النووية وخاصة في صنع الأسلحة التي كان من شأنها تحقيق نوع من التوازن، السلبي نعم، لكنه كان وضعا بالغ الرهافة والخطورة والدقة حين حمل اسمه المعروف: ميزان الرعب النووي.
وبقدر ما كان هذا الرعب محفوفا بكل عوامل الدمار والخطر، بقدر ما حال دون اندلاع أي صراع دولي على نطاق حرب عالمية ثالثة.
ومن دروس نفس المرحلة أيضا قدرة الأطراف المستضعفة في العالم على مقاومة الأقوياء بفضل الاستفادة من ثنائية القطبين.. وهي نفس القدرة التي خصص لها المؤلف سطورا عديدة في مستهل الفصل الأول حين استعرض استمرار كاسترو في حكم كوبا، الجزيرة الصغيرة التي لا تبعد عن أراضي «العملاق الأميركي» سوى بعشرات الأميال، ولكنها ظلت تحت حكم كاسترو وتشكل تحديا غاية في الصلابة للولايات المتحدة ولدورها في الهيمنة على شؤون نصف الكرة الغربي.
ولم تكن قصة كاسترو ـ كوبا مجرد حكاية منفردة بذاتها.. بل كانت أقرب إلى فصل في سفر التحولات التي طرأت على شكل النظام العالمي في العصر الحديث ـ بكل ما صاحبه ذلك النظام من ثورات وصراعات وتطورات وتحديات يركز المؤلف فيها على محور الاستعمار من جانب الدول الإمبريالية في غرب أوروبا وفي المقابل نضالات شعوب القارات النامية الثلاث من أجل الحرية والاستقلال.
ويلاحظ المؤلف أيضا أن اللحظة الزمانية الراهنة باتت تشهد صراعات أقل خطورة وربما أخف وطأة من أجل الموارد. والمعنى الذي يرصده صاحب الكتاب هو أن عصور السيطرة الاستعمارية، كانت تشهد صراعات وحشية في بعض الأحيان من أجل الحصول على الذهب من أميركا اللاتينية أو على المطاط من أفريقيا أو على التوابل من آسيا .. ناهيك عن التماس أسواق تصريفات منتوجات الرأسمالية الأوروبية بين شعوب المستعمرات.. فضلا عن اندلاع الصراعات الدموية على مناطق النفوذ السياسي ومواقع الموارد والامتيازات المادية بين القوى الأوروبية على نحو ما شهدته الحربان العالميتان الأولى والثانية في سياق القرن العشرين.
ولأن التطور والتغير من سنن الحياة في الكون فقد جاء حين من الدهر ـ عند منتصف القرن المذكور ـ ليشهد تغيرات جذرية في خارطة النفوذ والتأثير على مستوى عالم تلك الحقبة.. وكان من أهمها دور الاتحاد السوفييتي والنزعات القومية (منها المد القومي العربي منذ عقد الخمسينات)، فضلا عن اشتداد ساعد حركات الاستقلال والتحرر الوطني (في الهند والمشرق والمغرب العربي وفي القارة الأفريقية) مضافا إلى هذا كله ظهور كيان دولي جديد وخطير حمل الاسم التالي: جمهورية الصين الشعبية
حدثان بارزان
لقد بدأت هذه التطورات باستقلال الهند عن التاج البريطاني عام 1947. وتواصلت مع نجاح ثورة الصين بقيادة ماوتسي تونغ في عام 1949 وربما بلغت ذروتها في عام 1960 الذي شهد استقلال شعوب شتى في أفريقيا خاضت حروب الاستقلال ضد المستعمر البريطاني في شرقي القارة السمراء.
مع هذا كله نلاحظ أن هذا الفصل من الكتاب يتوقف مليا ـ بقدر من التأمل والتحليل عند حدثين ما زالا يشكلان علامتين بارزتين في تاريخ العالم الحديث..
ـ الأول هو معركة «ديان بيان فو» التي انتصرت فيها قوات التحرير الوطني في فيتنام على قوات المستعمر الفرنسي في عام 1954 .
ـ أما الحدث الثاني الذي يركز عليه المؤلف في هذا الكتاب فيحمل العنوان التالي الذي ما زال بارزا وماثلا في الذاكرة العربية والدولية المعاصرة وهو: أزمة السويس عام 1956.




















