عمان – رنا الصباغ
يزور العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني قطر في نهاية الشهر الحالي لتتويج عملية ترميم للعلاقات السياسية عبر البوابة الاقتصادية بعد ان شهدت هذه العلاقات توتراً ومشادات إعلامية منذ إبعاد قادة «حماس» إلى الدوحة عام 1999.
التحرك يأتي على إيقاع إستراتيجية جديدة لتنويع خيارات المملكة السياسية لخدمة استراتيجيتها بعد فشل الرهان الأردني على إدارة الرئيس الاميركي جورج بوش بتحقيق وعد قيام دولة فلسطينية مستقلة غرب نهر الاردن في نهاية فترة رئاسته بداية العام المقبل لضمان أمن المملكة واستقرارها.
كما يهدف التحرك بأتجاه قطر الى طي «مرحلة المحاور» في الساحة العربية التي تعمقت مع سياسات بوش منذ احتلال العراق عام 2003، من خلال تأمين علاقات متوازنة وطبيعية مع كل الأطراف من دون الإخلال بالتحالف الاستراتيجي بين عمان وواشنطن والسلطة الوطنية الفلسطينية، بحسب مسؤولين اردنيين.
التراجع التدريجي عن سياسة «التخندق» التي شجعتها اميركا تجاه ما سمي بـ «محور الممانعة» بقيادة ايران وعضوية سورية وحركة «حماس» الفلسطينية وحزب الله اللبناني، بدأت مع دمشق قبل عام تقريباً.
وقبل ثلاثة أشهر، بدأ الأردن حواراً أمنياً وسياسياً تدريجياً ومبرمجاً مع حركة «حماس»، بتكليف من خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي للحركة والمقيم في دمشق. المحاولة بدأت بجهد تدريجي لحلحلة قضايا أمنية عالقة، وبعدها التقى الجانبان على شعار رفض خيار الوطن البديل والتوطين وأية حلول منقوصة من دون قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
الأسبوع الماضي زار رئيس الوزراء الأردني نادر الذهبي الدوحة بعد شهر على قيام رئيس الديوان الملكي الجديد ناصر اللوزي بزيارة خاطفة لهذه الدولة في محاولة لكسر الجليد في العلاقات المتأرجحة والمتوترة سنوات.
جرى الاتفاق على تنظيم العمالة الأردنية في الدوحة والمقدر عددها بحوالى 20.000 شخص، بمن فيهم 500 معلم وأستاذ جامعة وآلاف العاملين في القطاع الصحي والبنوك والقوات المسلحة، إضافة الى ضمان انسياب عمالة جديدة في زمن التباطؤ الاقتصادي المحلي.
كما جرى الاتفاق على تأسيس صندوق استثماري قطري بمبلغ لا يقل عن بليون دولار لإقامة مشاريع سياحية او خدمية في الأردن اضافة الى إنشاء مجلس رجال أعمال قطري – أردني.
ويقدر حجم الاستثمارات القطرية في المملكة حالياً بـ400 مليون دولار،
وقال وزير الإعلام ناصر اللوزي الذي رافق الذهبي ان زيارة الدوحة ساهمت في «طي صفحة الخلافات» والتأسيس لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية لخدمة أهداف وتطلعات البلدين. واستبقت قطر زيارة رئيس الوزراء بسلسلة من إجراءات تعكس نيات إيجابية بالانفتاح صوب الأردن. إذ وافقت بسرعة قياسية (بلغت أربعة أيام) على طلب استمزاج رأيها بتعيين أحمد المفلح سفيراً للأردن في الدوحة، بحسب ما قال مسؤول حكومي رفيع.
كان يشغل الموقع الديبلوماسي الأول في قطر قائم بالإعمال بالإنابة منذ استدعى الأردن سفيره «للتشاور» منتصف العام الماضي، بعد أن صوتت الدوحة ضد ترشيح الأمير زيد بن رعد، سفير الأردن لدى الأمم المتحدة، لمنصب أمين عام الأمم المتحدة، معارضة بذلك قراراً جماعياً صادراً عن مجلس وزراء الخارجية العرب. من جهتها تنفي الدوحة أنها خرقت الإجماع العربي.
مسؤول حكومي أردني آخر قال إن قطر خفّفت أخيراً من قيود صارمة غير معلنة كانت فرضتها على تجديد أذون إقامة العاملين الأردنيين بالتوازي مع تشددها في منح تأشيرات عمل جديدة لمصلحة سوريين وجنسيات عربية أخرى.
حدّة «المواجهات الإعلامية» بين البلدين كانت تراجعت منذ زيارة رئيس وزراء ووزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني للأردن في الرابع من تشرين الثاني 2007 لحضور أعمال مؤتمر المرأة العربي (آفاق المستقبل) ولقائه في تلك الزيارة مع الملك عبدالله الثاني.
الإعلام الأردني، سواء الخاص أو الرسمي، أوقف انتقاد ما كان يسميه بـ «انتهازية» قطر السياسية ووقوفها مع «حماس» ضد الأردن.
فضائية «الجزيرة» كانت قد تحولت، بحسب بعض المسؤولين الأردنيين، الى رأس حربة في معركة سياسية وإعلامية شرسة بهدف ضرب صدقية ما يسمى محور دول الاعتدال. لكنها هدأت بعد المصالحة بين السعودية وقطر قبل شهور.
التأزم القديم – الجديد بين قطر والأردن سببه غالباً وقوف البلدين في محاور سياسية متقابلة على رغم أنهما من حلفاء واشنطن الأقوياء.
عمّان كانت عتبت على دعم الدوحة أستضافتها حركة «حماس» التي انقلبت على السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس حليف الأردن في مفاوضات السلام. وتوجست أيضاً من انفتاح الدوحة على طهران، زعيمة محور التشدد.
الأزمة اللبنانية، التي كانت واحدة من ملفات الخلاف بين الأردن من جهة وسورية وقطر من جهة أخرى، هدأت بعد مصالحة الدوحة. كما شجعت «حماس» الدوحة على الانفتاح على الأردن.
وهذا الشهر ستشهد العلاقات الأردنية – السورية زخماً اضافياً يصب في مصلحة البلدين. حيث يجري الأردن ترتيبات لزيارة الرئيس الذهبي الى دمشق على رأس وفد اقتصادي لبحث أشكال التعاون بين البلدين. ويقول مسؤولون ان عمان ودمشق تتجهان ايضاً الى تنفيذ ما اتفقا عليه في اتفاقية ترسيم الحدود.
التطورات الجديدة في العلاقات بين البلدين جاءت بعد رسالة من الملك نقلها اللوزي ومدير عام دائرة الاستخبارات الفريق محمد الذهبي الى الرئيس بشار الأسد أثناء زيارة مفاجئة الى دمشق قبل أسبوعين. عكست الرسالة رغبة الأردن في تفعيل التعاون الثنائي لمصلحة الشعبين من خلال بوابة الاقتصاد والتجارة بعد ان سارت العاصمتان العام الماضي نحو حل خلافات عميقة حول الأمن والحدود وتقاسم المياه كمدخل لتحسين العلاقات.
وبحسب مسؤول حكومي سيحصد البلدان وقطاعهما الخاص قريباً الثمار الاقتصادية لقاء المصالحة السياسية.
قبل شهر كان السفير الأردني الجديد لدى دمشق عمر العمد يقدم أوراق اعتماده للرئيس السوري بشار الأسد ليشغل منصباً ظل فارغاً منذ عودة السفير والنائب الحالي هاشم الشبول من دمشق قبل أكثر من عام.
ويرغب الأردن في استنساخ تجربته الأخيرة مع سورية في قطر بعيداً من استحقاقات فرضتها طبيعة التحالفات لما بعد 2003. فالعلاقات الاقتصادية الوثيقة قد توفر أرضية للارتقاء بالعلاقات السياسية وحمايتها.
مسؤول أردني آخر يقول: «آن الأوان لأن تحترم كل الدول العربية خصوصية كل عضو في الجامعة العربية وشبكة علاقاته وتحالفاته التي تمليها مصالحه، وأن تخرج من بوتقة تقييد علاقاتها مع بعضها البعض من خلال من يقف مع من ضد من في محور من».
التفكير بالمصالح المشتركة وتحييد المشاعر عنوان الجهد الأردني الجديد للتعامل مع تحديات داخلية ضاغطة ومشهد إقليمي غير مستقر، وإدارة أميركية جديدة بقيادة الديموقراطي باراك اوباما ستركز على الشأن الداخلي وتغيّر من استراتيجية سياساتها الخارجية. فالعالم كله يشهد تغييرات دراماتيكية في العلاقات الدولية على وقع انتخاب أوباما والأزمة العالمية التي ترسم ملامح نظام عالمي جديد قد تكون المنطقة العربية من أشد المتأثرين به.
"الحياة"




















