رغم موافقة الحكومة العراقية على الاتفاقية الامنية مع اميركا ، وتحويلها إلى البرلمان لمناقشتها والموافقة عليها ، وهو ما اعتبر تحصيل حاصل بعد أن وافق الائتلاف الحاكم والحزبان الكرديان عليها ، رغم كل ذلك فما زالت هذه الاتفاقية غامضة ، ولم تقم الحكومة العراقية بنشرها في الصحف ليطلع عليها المواطن العراقي.
ويستوقف المراقبون اضافة إلى ذلك هو استعجال الحكومة العراقية في الموافقة رغم تصريحات الرئيس الاميركي المنتخب «اوباما» بإنه سيقوم بسحب القوات الاميركية من العراق ، والتي تزامنت في نفس اليوم الذي تم التوقيع عليها ، ما يؤكد أن هذا الاستعجال غير مبرر ، في ظل رحيل الادارة الاميركية الحالية ، وتولي ادارة جديدة تضع عملية الانسحاب من العراق اولى اولوياتها .
وهذا ادى إلى انقسام حاد في الشارع العراقي،اذ رفضت هيئة علماء المسلمين على لسان الشيخ حارث الضاري هذه الاتفاقية،واعتبرت التوقيع عليها في ظل هذه الظروف ، تم بضغوط اميركية لتحقيق مصالح واشنطن في ظل بقاء الامتيازات للشركات النفطية وانسحاب القوات الاميركية من المدن العراقية إلى قواعدها التي انشأتها في العراق وعددها 400 قاعدة وتوفير الحصانة القانونية للقوات الاميركية وهو ما يعتبر انتهاكا صارخا للسيادة العراقية ، واعطاء الاحتلال الصفة الشرعية وتحويله إلى انتداب ، اضافة إلى رفض الكتلة الصدرية لهذه الاتفاقية ، والتي اعتبرتها «اذعانا» والمطالبة بحصولها على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب شرطا لاقرارها.
وفي هذا الصدد لم يعرف بعد اذا ما تم تعديل هذه الاتفاقية ، بحيث تأخذ البعد العربي ، والمصالح العربية في الاعتبار ، وعدم اتخاذ القوات الاميركية من قواعدها في العراق محطات للعدوان على هذه الدول ، كما حدث مؤخرا ، اذ قامت بالاعتداء على مدينة البوكمال السورية ، ما ادى إلى استشهاد ثمانية مواطنين.
إن المراحل التي مرت بها الاتفاقية وخاصة رفضها من قبل الائتلاف الشيعي الحاكم ، تم الموافقة عليها بسرعة وما رافق ذلك من اصرار على عدم نشرها في وسائل الاعلام والصحافة ، ما يثير الريبة والشكوك ، وخاصة اننا امام حدث مصيري وهام يتعلق بمصير ومستقبل الشعب العراقي الشقيق الذي قاسى ولا يزال من الاحتلال الاميركي ، وسقط من ابنائه اكثر من مليون انسان اضافة إلى حوالي اربعة ملايين تفرقوا في اربعة ارجاء المعمورة ، وتدمير بنيته التحتية ، اذ لا يزال اكثر من نصف المواطنين العراقيين محروما من الكهرباء والمياه الصالحة للشرب ، ويعاني من انتشار الامراض الخطيرة مثل الكوليرا ، وانتشار الفساد ، والفتنة الطائفية التي فجرها الاحتلال ، وادت إلى تشويه صورة العراق الحضارية.
مجمل القول: ان اقرار الاتفاقية الامنية مع واشنطن وبالطريقة المسلوقة التي تمت بها ، ورفض اغلبية الشعب العراقي لها باعتبارها انتدابا جديدا ، يستدعي من الدول العربية والجامعة العربية المبادرة باتخاذ موقف مسؤول يقوم على ضرورة انسحاب الاحتلال الاميركي ، بدون شروط وعدم تحويل العراق الشقيق الى قاعدة للعدوان على الدول العربية.




















