تراوح الموقف الاسرائيلي من مؤتمر حركة فتح السادس منذ انعقاده وحتى اليوم بالغموض وعدم الوضوح وكان ميالا في معظم الحالات الى الانتقاد اكثر منه الى القبول والموافقة. وقد تصاعدت لهجة الانتقاد امس الاول ووصلت حد استخدام لهجة الاستغراب للقرارات التي توصل المؤتمر اليها وخاصة تلك التي تناقلتها وسائل الاعلام.
فالحديث عن خيار السلام والمشروع الوطني الفلسطيني الواقعي الذي تتبناه الحركة لم يحظ من الاعلام الاسرائيلي والمسؤولين الاسرائيليين بما يستحقه من الاهتمام وان دل ذلك على شيء فعلى عدم جدية الجانب الاسرائيلي وتمسكة باستمرارية الوضع الاحتلالي الراهن.
وحين يتحدث البيان الختامي عن انهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ويــوكد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم يأتي وزير الدفاع الاسرائيلي ليقول ان البيان «خطير وغير مقبول» على حد قوله فما الذي كان باراك وغيره من المسؤولين الاسرائيليين يتوقعونه من مؤتمر فتح ذات التاريخ النضالي العريق في تبني قضية شعبها وبذل التضحيات الجسام من اجل التحرر الوطني والسيادة والاستقلال؟
ان عقد المؤتمر على ارض فلسطين بحد ذاته كان بمثابة اشارة لها مغزى وهذا ما عبر عنه الرئيس محمود عباس حين قال نحن نبقى هنا على ارض وطننا نناضل هنا من اجل قضية شعبنا.
وقد تكون هناك تباينات في الرؤى والاجتهادات حتى داخل الحركة الفلسطينية الواحدة الا ان هناك ارضية مشتركة يلتقي عليها افراد فتح وسائر المواطنين الفلسطينيين المخلصين وهي تحرير الاراضي المحتلة عام ١٩٦٧ واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعودة اللاجئين وفقا لقرار الامم المتحدة رقم ١٩٤ والتمسك بالحقوق الفلسطينية الثابتة في القدس الشريف العاصمة الخالدة للدولة الفلسطينية العتيدة.
وقد وصل الأمر بوسائل الاعلام الاسرائيلية حد اعتبار المـــؤتمر نوعا من الرجوع عن عملية السلام على حد وصف تلك الاصوات الاعلامية المغرضة. وكأن المطالبة بالحقوق الوطنية الفلسطينية امر يتناقض مع عملية السلام مع ان اي عملية سلمية يجب ان تستند الى هذه الحقوق اذا اريد لها ان تكون مقبولة فلسطينيا وعربيا وحتى دوليا .
ومن الواضح ان السلام الذي تتحدث عنه المصادر الاسرائيلية ليس ذلك السلام بالمفهوم المتفق عليه الذي يضع حدا للاحتلال والاستيطان وانما «سلام» القبول بالأمر الواقع والحقائق الاستيطانية الزاحفة الممهدة لقيام دولة استيطانية في الضفة الغربية المحتلة.
وليس غريبا على المسؤولين الاسرائيليين ووسائل اعلامهم ان يتعاملوا بانتقائية مصلحية مع هذا المؤتمر وامثاله من الأحداث الفلسطينية الهامة .
فمن المعتاد بالنسبة اليهم ان يفسروا كل التطورات المفصلية على الساحة الفلسطينية بما يخدم مخططاتهم حتى لو كان هذا التفسير متناقضا على طول الخط مع السلام العادل وارادة المجتمع الدولي وحتى حين تلتزم السلطة الفلسطينية بالتزاماتها بموجب خطة خريطة الطريق وحل الدولتين فان الحكومة الاسرائيلية تتجاهل التزاماتها بالمقابل وتصر على التوسع الاستيطاني ضد رغبة حليفتها الكبرى الولايات المتحدة.
وهذه الانتقادات الاسرائيلية للنتائج التي تمخض عنها مؤتمر فتح تعد بمثابة مؤشرات على صحة تلك النتائج وكونها اهدافا يجب ان تتم متابعتها وتنفيذها وصولا لتحقيق آمال شعبنا وتطلعاته التاريخية.
فالسلام مطلب اختاره الفلسطينيون خيار استراتيجيا لكنه ليس سلاما بلا ثمن وليس هناك فلسطيني وطني يرضى بأقل من قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود العام ١٩٦٧ وعودة اللاجئين وانهاء الاحتلال العسكري والاستيطاني وتحرر الشعب الفلسطيني كسائر شعوب الدنيا




















