كم تتخذ الذكرى معنى الخلود حين يحتويها هذا المكان التاريخي، قصر بيت الدين، في مهرجاناته.
في مناسبة القدس عاصمة الثقافة العربية لعام 2009، كان الغائب الحاضر الشاعر محمود درويش، نرتوي من شعره، من الأرض التي تركها قبل أن تحقق له حلم الحرية، بالغناء، بالموسيقى، بتلك النبرة العنفوانية الصادحة من أوركسترا فلسطين للشباب وجوقتها، كأنها تقول اليوم عزف وغناء وغداً دولة واستقرار.
بقيادة شون إدواردز كان لأوركسترا فلسطين للشباب والجوقة المشاركة في الغناء، معنى الصمود، ذلك ان قصر بيت الدين رفع هذا الحدث الثقافي الوطني الى ذروة الانفعال.
فمن قصيدة "أحمد العربي" التي بها استهل مرسيل خليفة ليلة هذا المهرجان ومعه في الغناء أميمة الخليل وريم تلحمي وباسل زايد، ندرك أن محمود درويش يوم كتب قصيدته في السبعينات وكان في بيروت آنذاك، حرّ القلم، حرّ الفكر وقلبه جريح، كان في كل كلمة رثاء يشيّد وطناً ويصنع شعباً أبياً لا ينطوي.
"أحمد العربي" القصيدة التي كتب موسيقاها مرسيل خليفة في الثمانينات بناء على امنية درويش، ها هي الآن للمرة الاولى في لبنان، حيّة، مفتوحة الكفّين والقلب على مصراعيه.
هذه الليلة هي فلسطين الحلم تغني الأرض وشعر محمود درويش بأوركسترا عازفوها في عمر زهر البرتقال الذي لم يثمر بعد، منشدوها في عمر الوطن الذي يحلمون به، وعلى أوتار كماناتهم وفي حناجرهم معنى الصمود والوعد بالغد.
موسيقى إحتفالية، واسعة الأرجاء، تنهض بالحناجر بكبرياء وكرامة، هادرة، حط فيها مرسيل خليفة إبداعه وعشقه لدرويش، في الكلام رثاء ومأساة، في الغناء تحديات وأكف تضرب جدار الصمت وتمزقه. كأمواج البحر هي تمضي بالمنشدين الى البعيد، ثم تعود الامواج ليتلقاها هذا الرباعي من مرسيل وأميمة وريم وزايد، اصوات رباعية اتحدت لتقول: "ليدين من حجر وزعتر/ هذا النشيد لاحمد المنسي بين فراشتين مضت الغيوم وشردتني/ ورمت معاطفها الجبال وخبأتني".
كلمات تخاوت بالكلمات لتحتفل بالموت والقيامة، دخل مرسيل خليفة في نسيجها الثوري، النضالي، الشاعري، المعذّب ليصنع منها أوبرا عربية ذات لغة كونية تحاكي الشعوب المقهورة كلها. طويلة هي القصيدة بقدر ما للنضال من جلد وبال وما من فقرة الا وينير وحي الموسيقى حراً، مسوّراً، منتفضاً، عذباً معطراً بالياسمين.
غنوا معاً وكل واحد بمفرده، هكذا تكون رثائيات الموت والحياة. من اميمة الذائبة في لآلئ درويش، وريم تلحمي التي نهضت بهواء الوطن بصوتها الرخيم، ومرسيل يتلو حيناً ويغني حيناً آخر، وباسل يحك صوته بصوان درويش فتعلو شرارات حارقة، شافية.
وعاد مرسيل خليفة وفرقة الميادين في الجزء الثاني ومعه ابناه رامي وبشار وعلى الكلارينيت اسماعيل رجب من مقدونيا وكونترباس من النمسا.
غنى والعود يطربنا، يحزننا، ومعه أميمة الدائمة. احببت قصيدة يا طير الحمام، لانها حنين الشاعر وأشواقه:
"اعدت لي الارض كي استريح
فإني احبك حتى التعب
صباحك فاكهة للاغاني وهذا ذهب
ونحن لنا حين يدخل ظل الى ظله في الرخام".
وتوالت الاغنيات التي يحبها جمهور مرسيل، غنوا معه، فترك العود لينغم لهم واميمة تعطي من انوثة صوتها لشعر درويش.
في الجزءين الاول والثالث من البرنامج كان للجوقة حضور مميز، خصوصاً ان شباب اوركسترا فلسطين وشاباته اتحدوا بجوقة جامعة سيدة اللويزة والمعهد الوطني للموسيقى في اشراف الاب خليل رحمة، ومعاً اعطوا نبضاً لقصيدة احمد العربي.
الجوقة بكاملها وفي امامية الاوركسترا ريم تلحمي استهلتا الجزء الثالث بأغنية "غزة يا مسورة بولاد". ثم كانت اغنية "خضراء" من الحان حبيب شحاده وكلمات محمود درويش، الى اغنية "عاشقة". حتى اذا اسود ليل بيت الدين وانقشعت نجمات سمائها كانت الاغنية الاخيرة "يا قدس وين أروح". ريم تلحمي بصوتها القيادي كانت تشق درباً الى القدس وتجعلها لا عاصمة للثقافة العربية فحسب بل العاصمة.
"النهار"




















