لقد خص الغرب العالم العربي وغرب آسيا عموما منذ نهاية الحرب الباردة، باهتمام استثنائي. فاستثار الأمم وجندها وأرسلها إلى هذه البقعة من العالم بحجة تحرير الكويت، فغادرت هي وبقي هو في قواعد ممتدة من المحيط إلى الخليج. وبعد سقوط حكم الشاه في إيران وسقوط حكم فرعون في مصر متزامنين مع نهاية الحرب الباردة، ومن ثم تكوين أفغانستان وباكستان مصادر لتهديد مصالحه:
(الأولى تمثلت في طالبان، والأخرى في انهيار الحكم المدني)، تلاحقت الأحداث لتبرز قوى جديدة في لبنان وانتفاضتان متلاحقتان في فلسطين المحتلة، ببروز قوى الإسلام السياسي في المغرب بتحريض من الغرب تارة، وبقواها الذاتية مستغلة خيبة الأمل في حداثة الغرب تارة أخرى.كل هذا حدث في عقدين من الزمن، حتى وصلت فداحة الأمر بأن دخل الغرب في حرب عالمية مكشوفة مع العالم العربي (الحرب على الإرهاب)، بدون سند شرعي أو غطاء دولي في سنة 2003، وما زالت هذه الحرب مستمرة مشتعلة الأوار. وأزعم أن حكومات العالم العربي ونخبه السياسية، لم تستوعب أن هذه الأحداث الجسام تمثل تحديات حقيقية وربما مصيرية، بدليل أن أمنها ما زال قائما على مجموعة من الاعتقادات والأطروحات غير الواقعية، ولا تعكس الاستيعاب المطلوب. وسوف أذكر فيما يلي عشر اعتقادات أو أطروحات تدل دلالة حاسمة على أنها تعتبرها مسلمات، دون دليل مادي.
أولا: الاعتقاد بأن الولايات المتحدة والغرب (الغرب في ما بعد) بسبب حاجته للعالم العربي كمصدر للطاقة، سوف يدافع عن بقاء الحكم السلالي قائما فيه إلى الأبد أو إلى المستقبل المنظور. هذا الاعتقاد لا يأخذ في الاعتبار أن العولمة قد عقدت الأمور كثيرا. ففي السابق كانت السياسة الخارجية تبنى على التمييز بين العدو والصديق، أما الآن فلم يعد في السياسة الدولية خصم يمكن التنبؤ بتصرفاته، ولا صديق يمكن الاطمئنان إليه (كما يقول ريتشارد هاس فيئيَفَكيفٌ شيٍمَّ، 20071219). والغريب في الأمر أن النخب السياسية العربية لا تدرك مدى محدودية أو مدى تنامي محدودية تأثير السياسة الأميركية في العقد الأول من هذا القرن الواحد والعشرين، بحيث أنها تلجأ إلى فرض العقوبات المختلفة على أكثر من 95 دولة دون تأثير حاسم.
وأنها باعتراف تشالمر جونسون في (IHT 17/7/2009) قد تحولت إلى إمبراطورية تعتمد على أكثر من 800 قاعدة عسكرية مبثوثة حول العالم، وأن سفاراتها تحولت إلى قلاع عسكرية تسكنها أجهزة الاستخبارات والجواسيس والجنود المارينز والدبلوماسيون، الذين أصبحت مهمتهم الأولى مراقبة السكان المحليين وتصيد نزعاتهم المتمردة على الهيمنة الغربية.
نحن لا نقول إن الولايات المتحدة وشركاءها الغربيين لا يستطيعون أن يبطشوا بمن شاءوا، والعراق وأفغانستان أدلة حية على ذلك. ولكنهم غير قادرين على تحقيق أهدافهم الأصلية، بالرغم من عسكرة سياستهم الخارجية في زمن «السلم»! وهذا يفسر الفزع من حالات إيران وكوريا الشمالية وحزب الله في لبنان وحماس في فلسطين.
وبدلا من أن تختط دول العالم العربي سياسات خارجية متوازنة، تلجأ هذه الدول إلى الالتصاق بالغرب طلبا للحماية، ولسان حالها يقول: «نحن معكم نرتفع معا ونسقط معا». لا أحد يتوقع أن ينهار الغرب قريبا، ولكن أغلب المتابعين للأحداث لا يتوقعون أن يعود الغرب كما كان قبل أزمته الحالية.
مسؤولية النخب
ثانيا: ومن مظاهر القصور في تفكير النخب العربية وحكوماتها، الاعتقاد الراسخ بقوة الرأسمالية الليبرالية/ الافتراسية الغربية. وهذا الاعتقاد تغذيه حالة الانبهار بالغرب من جهة، وحالة انعدام البدائل العملية في تقديرهم من جهة أخرى. وفي كلتا الحالتين تتخذ القرارات السياسية العربية على اعتبارات سياسية مصلحية ضيقة، وليس على تقديرات موضوعية.
والدليل على ذلك قرارات الاستثمار الخليجية قبيل وأثناء الأزمة الاقتصادية الحالية. إن خطة تحويل بعض الدول العربية إلى مراكز دولية وانفتاحها على الاستثمارات الأجنبية المباشرة في أوضاع اقتصادية متردية، تؤدي منطقيا وعمليا إلى انكشاف الاقتصادات العربية للمؤثرات السلبية الخارجية، وتعريض مواردها المالية إلى التآكل.
إن الإيمان المطلق بقوة الدولار، كما اتضح من خلال الجدال الذي أعقب فك ارتباط الدينار الكويتي جزئيا بالدولار، لا يقابله وضع خطط طارئة بديلة نحو تسريع إقرار العملة الخليجية الموحدة، التي غرقت في معمعة الخلافات العربية المعهودة. كما أن جهود الدول العربية نحو محاولات تفكيك القطاع العام والتوجه نحو سياسات الخصخصة الراديكالية، هي في الاتجاه الخاطئ تماما. بول تايلر (IHT 12/6/2009) يوضح كيف أن القطاع العام ودولة الرعاية الاجتماعية، هما اللذان خففا على الدول الاسكندينافية (وبخاصة النرويج وهي دولة نفطية) من وقع الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية.
ثالثا: هناك اعتقاد غريب آخر عند النخب السياسية العربية (الحاكمة والمهيمنة)، وهو أن الصداقة مع الغرب تعني الخضوع لرغباته (وأحيانا لأهوائه)، دون اعتبار للمصالح العربية العليا على المستويين الوطني والقومي. إن الصداقة على عكس العداوة تبنى على الندية، إلا إذا كان تشخيص المصالح العربية يخضع لاعتبارات أخرى غير الاعتبارات الموضوعية. والقوي ـ والغرب هنا القوي ـ يريد أن يهيمن على الآخرين وأن يضمن مصالحه على حسابهم. هذا عرف دولي معروف. والوجه الآخر لهذا العرف، هو حق مقاومة الهيمنة الغربية بالطرق السلمية المعتادة، فحق المقاومة حق شرعي تحفظه الأعراف الدولية.
الغريب في الأمر هو أن الدول العربية تتخوف من مقاومة الهيمنة الغربية بدون مبرر معقول، أو ربما خوفا من قدرة الغرب على زعزعة الأوضاع المحلية. إذ هل يعقل أن نعتقد أن الدول العربية تصدق دعاوى أنها شريكة للغرب في مصالحه ومغامراته العسكرية وغيرها، كما يدعى في برنامج الشراكة مع دول حلف الناتو، أو الشراكة المتوسطية، أو غيرها من الشراكات الوهمية؟ إلا إذا كان القبول بهذه الشراكات على سبيل المجاملة العربية الساذجة!
لقد اعتدنا في المشرق العربي التفكير بأن أمن المنطقة العربية شأن نختص به على المستوى الوطني، وبأن نجاحه متصل بالتحالفات التي يمكن أن تعقد بين بعض دول المشرق وبعض دول الخليج، تحت إشراف الدول الغربية المهيمنة. ولم يتم وضع تصور لمعادلات إقليمية أوسع مستمدة من مصالح الدول العربية الحقيقية، بمعزل عن التدخل الغربي، والذي يشمل دول غرب آسيا والشمال الإفريقي.
ولذلك تظهر بين الفينة والأخرى محاور استراتيجية، مثل محور مصر الوفدية والمملكة العربية السعودية وسوريا الجمهورية، الذي شغل حيزا سياسيا واسعا قبيل الحرب العالمية الثانية. أما المحور الأساسي الذي بقي فاعلا منذ منتصف الخمسينات حتى قيام الثورة الإسلامية في إيران سنة (1979)، فهو محور حلف بغداد. وتتابعت بعد ذلك المحاور غير الفاعلة والتي سرعان ما تضمحل وتختفي.
الحصار الاستراتيجي
رابعا: وهذا يقودنا إلى الاعتقاد الرابع الخاطئ الذي تبني عليه السياسة الخارجية العربية أن المحور الجديد الفاعل الآن في المنطقة، والمكون من مصر والسعودية والأردن، قادر على قيادة سياسات دول المنطقة. وهذا الاعتقاد ينبع خطؤه من ترويج البعض للخطر الشيعي القادم من إيران. وأزعم أن هذا الخطر فيه كثير من المبالغة، ولا يستند إلى تقدير موضوعي. فقد جاء حلف بغداد لحصار العرب وحصرهم في منطقة المشرق العربي، وعزلهم عن امتدادهم الاستراتيجي في غرب وشرق آسيا. وقد خرقت مصر الناصرية هذا الحصار وأضعفه انقلاب تموز/ يوليو 1958 في العراق. ولكن الاختراق الأساسي الذي قضى على حصار المشرق، هو الثورة الإسلامية في إيران.
وتعلمون أن حلف بغداد كان مكونا من باكستان (التي كانت تحت حكم العسكر)، وإيران الشاه (التي كانت مستعمرة غربية)، وتركيا وكانت تحت حكم العسكر أيضا، بالإضافة إلى العراق والأردن ودول الخليج، وجميعها كانت تحت الاحتلال البريطاني والهيمنة الأميركية.
فقد كان من المفترض أن تستغل الدول العربية هذا الاختراق الإيراني لكسر الحصار الاستراتيجي على المنطقة، خاصة وأن تركيا وقعت في التسعينات تحت حكم مدني متوازن، بالرغم من كونها دولة أطلسية. فبدلا من محاولة كسر الحصار المفروض على إيران الذي يمثل السياسة الغربية الحالية، أصبح المطلوب هو مساعدة إيران في التغلب على مصاعب الحصار الغربي المفروض عليها.
إنه لأمر طبيعي أن تكون لإيران مصالح خاصة بها، ولكن كان بإمكاننا أن نتجاوب مع رغبة إيران في تبنى القضايا العربية، دون خوف من أن تحول إيران دول المشرق إلى المذهب الشيعي، طالما أن هناك مصلحة مشتركة في مقاومة الهيمنة الغربية. إن التوجه الأساسي للسياسة الغربية في الوقت الحاضر، هو تحييد إيران وإضعافها، لإعادة الحصار الاستراتيجي المفروض على المشرق. وسياسات المحاور العربية تساعد، خلافا لمصالحنا الاستراتيجية مع الأسف، في تحقيق الهدف الغربي.
متغيرات دولية
خامسا: أما الاعتقاد الخامس، والذي لا تقل نتائجه فداحة، فهو الاعتقاد بأن المعادلات الإقليمية القائمة الآن لن تتغير في غير صالح الدول العربية. وهكذا فقد أصبحنا متفرجين سلبيين على الجهود الغربية لتحييد إيران، ولم تقابل الدول العربية الجهود التركية للخروج بمعادلة إقليمية جديدة، في حدود ما تسمح به عضويتها في حلف الأطلسي واعترافها بإسرائيل. كما أن باكستان قد خرجت فعليا من المعادلة الإقليمية والتوازنات الاستراتيجية في المنطقة.
والشيء نفسه ينطبق على أفغانستان، دون أن يكون للدول العربية دور فاعل في وضع معادلة إقليمية لصالحها. بل على العكس، تركت الدول العربية دول الحلف الأطلسي تتخبط في هذين البلدين الأخيرين، دون اشتراط تقديم هذه الدول حلولا سياسية لإنهاء الصراع في تلك المنطقة. ليس بحكم كون أفغانستان وباكستان دولتين إسلاميتين، وإنما بحكم تأثر مصالح الدول العربية بما يجري فيهما، منعا لعودتهما للعب دورهما في الحصار الاستراتيجي المفروض على دول المشرق.
ويحاول الغرب الآن ترميم الطوق المفروض على الدول العربية في غرب آسيا، باستدراج الهند لتلعب الدور الذي كانت تلعبه باكستان. ونحن الآن شهود على المحاولات الأميركية ـ الإسرائيلية للتقارب مع الهند، عبر صفقات الأسلحة والاستثمارات المباشرة. ولكن الهند ما زالت في الظاهر تتبع سياسات متوازنة نحو المنطقة، حتى الآن. وإذا ما نجح الغرب في تحييد دور إيران، وربما إسقاط الثورة الإسلامية والمجيء بالإصلاحيين القريبين من الغرب (من المؤسسة الدينية ومن خارجها)، فإننا سنشهد حصارا جديدا، أو محورا جديدا يشارك فيه هذه المرة العراق (الجديد) المحتل، المكون من أحزاب وقيادات طائفية وعرقية، كحلفاء استراتيجيين جدد للولايات المتحدة.
ولا يتحرج المحللون الغربيون ولا بعض أبناء المنطقة من الكلام عن «إعادة رسم خريطة المنطقة» وكأن هذه الخريطة لم تستقر بعد! وإعادة رسم خريطة المنطقة وتوزيع وإعادة توزيع الدول العربية جغرافيا، أصبح هواية مقبولة من السياسيين الغربيين والمشارقة على حد سواء، من معاهدة فرساي، والليدي بل، وصولا إلى جو بايدن ومارتن انديك وبعض الصحافيين العرب.
وما هذه المشاريع الوهمية إلا جزء من سياسات الزعزعة والاحتواء الغربيين، واستمرار للحرب النفسية على العرب ومشاغلتهم في ديارهم.
الاستراتيجيات الأمنية والبحث العلمي
ترتبط الاستراتيجيات الأمنية في العصر الحديث، ارتباطا وثيقا بمستويات البحث العلمي ومدى التمكن من العلوم والتقنيات الحديثة. وتدل بعض الأرقام الإحصائية على أن العالم العربي ما زال يحتاج إلى كثير من العمل والجهد في هذه المجالات:
* عام 1984 وظّفت مراكز البحث والتطوير 3745 عالماً أو مهندساً من حملة الدكتوراه و4378 من حملة الماجستير، بمعدّل 7, 1 باحث خارج الجامعات (و7, 2 إذا ما أضفنا باحثي الجامعات)، لكن 000, 10 قدرة بشرية اقتصادية متوفرة في الوطن العربي؛ وبالمقابل كانت الأرقام في الولايات المتحدة وفرنسا، على التوالي: 66، 39.
* في أوائل الثمانينات بلغ عدد النشرات العلمية العالمية (لكل مليون مواطن): 1020 (الولايات المتحدة)، 450 (فرنسا)، 18 (البرازيل)، 16 (الهند) و15 (الوطن العربي).
تخصّص الدول العربية 2, 0 بالمئة فقط من الناتج الوطني الإجمالي للبحث والتطوير، بينما تخصّص الهند 7, 0 بالمئة، والبرازيل 6, 0 بالمئة، وفي البلدان الصناعية من 2 إلى 3%.
*العام 1998 قُدّر عدد الباحثين في مؤسسات البحث العلمي العربية ب31118 باحثاً. وإذا أضفنا إليهم الباحثين من الجامعيين، الذين يقدّر عددهم ب10 من عدد العاملين في سلك التعليم العالي، حصلنا على 81113، وهو ما يعطي نسبة 7, 2 باحثاً لكل عشرة آلاف من اليد العاملة، تقابلها في الولايات المتحدة 66%، واليابان 58%، وبريطانيا 36%.
من مؤلفات الكاتب
الكتاب الطبعة الناشر
* لمجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية (من منظور مختلف) الطبعة الثانية: 1989 مركز دراسات الوحدة العربية
* صراع القبلية والديمقراطية: حالة الكويت الطبعة الأولى: 1996 دار الساقي للطباعة والنشر
* الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة الطبعة الثانية: 1996 مركز دراسات الوحدة العربية
* في البدء كان الصراع الطبعة الأولى: 1997 دار الساقي للطباعة والنشر
* آراء في فقه التخلف العرب والغرب في عصر العولمة الطبعة الأولى: 2002 دار الساقي للطباعة والنشر
وله أيضا:
* محنة الدستور في الوطن العربي.. العلمانية والأصولية وأزمة الحرية
* الصراع مع الغرب والتاريخ المستعاد: تأملات في نهاية الألفية الثانية للميلاد.
* احتمالات التعاون والصراع بين العرب والغرب
* الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة
* ثورة التسعينيات: العالم العربي وحسابات نهاية القرن
* نحو إطار استراتيجي مقترح للتنمية العربية
* المجتمع الجماهيري ومستقبل التنمية في المشرق العربي
* مدخل إلى رواق الهزيمة: دراسة أولية عن نتائج حرب حزيران
* العقلية التآمرية عند العرب
* التاريخ الجديد والحقائق الخطرة.. وغيرها
د. خلدون حسن النقيب
أستاذ علم الاجتماع في جامعة الكويت
knaqeeb@hotmail.com




















