تحميل إسرائيل "حزب الله" ولبنان حكومة وشعباً المسؤولية عن أي هجوم او اعتداء يتعرض له أي إسرائيلي في أي مكان في العالم، يمثل درجة خطيرة في المسار التصاعدي الذي سلكته التحذيرات والتهديدات الإسرائيلية للبنان خلال الشهر المنصرم، وحرب الأعصاب الدائرة منذ مدة بين "حزب الله" وإسرائيل.
لقد بات واضحاً اليوم أن الحكومة الإسرائيلية تسعى بشكل دؤوب لإستباق أي محاولة من جانب "حزب الله" او حلفائه للهجوم عليها باشاعة مظلة من التهديدات والتحذيرات والتعليمات الى ممثلياتها ومواطنيها في الخارج بضرورة توخّي أقصى درجات الحذر طالبة من مواطنيها أن يغادروا في الحال أماكن تعتبر خطرة عليهم مثل سيناء وتايلاندا وغيرهما حيث تتواجد تنظيمات إسلامية متشددة مرتبطة بتنظيم" القاعدة". وتدّعي الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية أن المعلومات الاستخبارية المتوافرة لديها تشير الى قيام تعاون وتنسيق بين "حزب الله" من جهة وحركات جهادية على صلة بـ"القاعدة" من جهة أخرى، غير معروفة لتنفيذ هجوم على أهداف إسرائيلية في الخارج تشكل انتقاماً لإغتيال القائد العسكري لـ"حزب الله" عماد مغنية، بحيث لا يمكن اسرائيل أن تربط مباشرة بين الجهة التي قامت بالهجوم و"حزب الله"، وبهذه الطريقة يكون الحزب قد وفر على لبنان مرة أخرى إنتقاماً إسرائيلياً جديداً على طريقة "نظرية الضاحية" التي شهدناها صيف 2006.
يعتبر عدد من خبراء الإرهاب في إسرائيل بوجود تنسيق بين حركات الجهاد العالمي ذات الاتجاه السني السلفي والحركات الأصولية الشيعية في الأعوام الأخيرة، وبصورة خاصة بعد الغزو الأميركي للعراق، وذلك على الرغم من الإختلافات الفقهية الكبيرة بينها. وأبرز نموذج لهذا التعاون والتنسيق بالنسبة لاسرائيل هو التعاون الوثيق والكبير بين حركة "حماس" الأصولية السنية في غزة و"حزب الله" الشيعي، والدعم الكبير الذي قدمته إيران في الأعوام الأخيرة للحركة من أجل تثبيت سيطرتها على القطاع ودوام صراعها مع إسرائيل. كما ساهم توقيف السلطات المصرية خلية تابعة لـ"حزب الله" كانت تقوم بتهريب السلاح الى غزة عبر مصر، وكشف الإعلام المصري عن خطة لإغتيال السفير الإسرائيلي في القاهرة في تزايد المخاوف الإسرائيلية من اقدام التنظيمات الأصولية المرتبطة بـ"القاعدة" بهجوم ضد اهداف إسرائيلية بطلب من "حزب الله"، لاسيما أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية رصدت في المدة الأخيرة دخولاً لعشرات المتشددين الإسلاميين الى قطاع غزة من العراق، قسم كبير منهم شارك في القتال ضد القوات الأميركية. وتتوقع هذه الأجهزة ان يزداد عدد هؤلاء مع استكمال الجيش الأميركي انسحابه من العراق بعد عامين.
ولكن أن تبني إسرائيل على هذه المعطيات موقفها من "حزب الله" ولبنان والشعب اللبناني مسألة اخرى تماماً. فكأنما حكومة بنيامين نتنياهو تريد أن تدخل تاريخ الحكومات الإسرائيلية التي بعثت الخوف في قلوب أخصامها وشلت قدرتهم على التخطيط والتنفيذ من طريق التهديد والوعيد.
هذا الخط المتشدد والمتصلب الذي تنتهجه حكومة نتنياهو من "حزب الله" ولبنان يبرز أيضاً في عدد آخر من الموضوعات، مثل رفض الحكومة الإمتثال للطلب الأميركي وقف البناء في المستوطنات في الضفة، ومهاجمة نتنياهو قرار الإنسحاب من طرف واحد من قطاع غزة، وتفكيك المستوطنات اليهودية هناك، معتبرا إياه آخر الانسحابات الأحادية التي أضرت بالمصالح الأمنية الإسرائيلية، الى فتح ملفات الجندي المفقود مع سوريا ومطالبتها بتوضيح مصيره، بالإضافة الى الحملة الواسعة النطاق التي تقوم بها الديبلوماسية الإسرائيلية حالياً لتوضيح موقفها من عملية السلام وموضوع السلاح النووي الإيراني.
إنها سياسة القبضة الحديد التي تريد من خلالها الحكومة الإسرائيلية أن توحي لحلفائها قبل أخصامها بأن الخطر يحدق بها من كل اتجاه وعليها أن تكون مستعدة لكل إحتمالات الحرب.
وسواء كانت التحذيرات بوقوع هجمات على أهداف إسرائيلية صحيحة أم مختلقة؛ فإن تحميل الشعب اللبناني مسبقاً المسؤولية هو اعتداء سافر من جانب إسرائيل على أمن اللبنانيين وطمأنينتهم لا يقل خطراً وأذى عن أي اعتداء او هجوم عسكري فعلي عليهم.
"النهار"




















