المستقبل –
يطرح كثير من المراقبين أسئلة حول النتائج التي أسفرت عنها جلسات الحوار الأميركي الصيني، التي عقدت يومي 27 و28 تموز الماضي في واشنطن، وافتتحها الرئيس الأميركي باراك أوباما بخطاب ذكًر فيه أن العلاقات بين واشنطن وبكين "ستشكل القرن الحادي والعشرين، ما يجعلها مهمة أكثر من أي علاقة ثنائية في العالم"، مستعرضاً القضايا المتعددة الأوجه التي سيتطرق لها هذا الحوار من الاقتصاد والانحباس الحراري والانتشار النووي والمخاطر الناجمة عن التهديدات العابرة للأمم كالإرهاب والوباء والفقر… حضر هذا اللقاء، الى جانب كبار مسؤولي إدارة أوباما، 150 مسؤولاً صينياً رفيعي المستوى من بينهم أربع وعشرون وزيراً من أعضاء الحكومة الصينية. وتليت في الجلسة الافتتاحية رسالة الرئيس الصيني هو جينتاو التي بعث بها الى المتحاورين شدًد فيها على تعزيز مساحة التوافق بين البلدين وعلى ضرورة "تقليص الخلافات وتعزيز الثقة المتبادلة والتعاون".
بالطبع، لا يستطيع احد الإدعاء بأن القضايا الخلافية بين هاتين القوتين الكبيرتين ستٌحل بغمضة طرف، كما لا يستطيع أحد من تقليل شأن هذه القضايا وتأثيرها، سلباً أو إيجاباً، على العلاقات بينهما. لكن الثابت الذي أظهرته وقائع الاجتماع هو أن الجمهورية الشعبية في الصين هي في موقع القوة، في هذه المرحلة من الحوار. فالصين هي أكبر دائن في العالم، وخصوصاً للولايات المتحدة، إذ يبلغ حجم مشتريات بكين من سندات الخزينة الأميركية نحو 801،5 مليارات دولار، وهو مستوى تاريخي بنظر الخبراء الاقتصاديين مع الإشارة الى أن المصرف المركزي الصيني يمتلك احتياطاً نقدياً هائلاً من العملات الأجنبية تقدر بنحو 2000 مليار دولار؛ في حين تعاني الحكومة الفيديرالية الأميركية من عجز في الموازنة سيصل الى ما يقارب الـ1840 مليار دولار آخر هذا العام، وعندما أبدى الوفد الصيني قلقه من حجم هذا الدين حرصاً على المدخرات الصينية، تعهد وزير الخزانة الأميركية، عضو الوفد الأميركي، بعمل ما يجب عمله "لإعادة هذا العجز الى مستوى يبقيه تحت السيطرة". وفي ما خص العجز التجاري بين البلدين لصالح الصين فإنه وصل الى مستوى 83 في المئة العام الماضي، بينما كان بحدود الـ26 في المئة عام 2000، وعندما طالبت واشنطن بإعادة تسعير العملة الصينية ( يوان) بالنسبة للدولار الأميركي، ردت بكين أن السعر المعتمد حالياً مناسب للاقتصاد الوطني.
وأخيراً، أظهرت وقائع ومناقشات المتحاورين أن الأزمة المالية العالمية لم تؤثر كثيراً على نمو الاقتصاد الصيني، إذ أن نسبة هذا النمو ستصل آخر هذا العام الى حدود الـ7 في المئة من الناتج القومي الخام، في حين أن هذه النسبة لن تتجاوز الواحد في المئة للاقتصاد الأميركي حسب أحسن التقديرات لنفس الفترة الزمنية.
ثاني النتائج التي أظهرتها جلسات الحوار، أن بكين التي هي عضو في مجموعة العشرين الكبار، التي عقدت ثاني اجتماع لها في لندن في نيسان الماضي، بعد اجتماعها الأول في واشنطن آخر العام الماضي، وهي تضم مجموعة الدول الثمان الكبار والأكثر تقدماً في الميدان الاقتصادي الى جانب الدول الناشئة اقتصادياً؛ والصين عضو في مجموعة الدول الأربع الى جانب البرازيل والهند وروسيا والتي عقدت أول اجتماعاتها الدورية في حزيران الماضي بالقرب من موسكو وناقشت قضايا دولية مهمة.
وها هي تنشئ مجموعة الاثنتين مع الولايات المتحدة؛ وهذا يعني بنظر المحللين السياسيين، أن الصين أصبحت لاعباً مهماً على الساحة الدولية ولها رأي وازن في مختلف القضايا الدولية والاقليمية معاً. لقد أظهرت وقائع الحوار الأميركي الصيني صحة هذا التحليل، يكفي أن نذكر موضوعين جرى تداولهما استناداً الى خطاب الرئيس الأميركي الافتتاحي: الأول يتعلق بقضية حقوق الإنسان، ورقة الضغط التي كانت تستخدمها الإدارات الأميركية السابقة في مختلف المواقع في وجه الصين. لم يلجأ أوباما لا الى اللوم أو الإدانة باستعراضه لهذه القضية، بل اكتفى بشرح لما تقوم به إدارته في هذا الميدان قائلاً: "ان الدفاع عن حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية هما من المبادئ المهمة في أميركا، وليس لدينا الرغبة في فرضهما على الآخرين"، مدعياً بإنهما حافظا على وحدة الدولة الأميركية، ودعا الى احترام حقوق الأقليات في أميركا وفي الصين معاً. إن الدلائل المشيرة الى تراجع أهمية "ورقة الضغط" هذه أتت في البيان الصادر عن الإدارة الأميركية بشأن النزاع في التيبت وفي شينغيانغ، إذ لم تتعد اسطر هذا البيان الستة وتمحورت حول الحوار حول هذه الحقوق على قاعدة "المساواة والاحترام المتبادل" بين الأقلية والأكثرية؛ الثاني قضية الانحباس الحراري بهدف إنجاح مؤتمر كوبنهاغن المنوي عقده في كانون الأول القادم لصياغة اتفاق دولي ليحل محل بروتوكول كيوتو الموقع عام 1997، وذلك انسجاماً مع خطورة هذه القضية على الصعيد الدولي، علماً أن هذين البلدين ينتجان 42 في المئة من ثاني أوكسيد الكاربون. لقد تعهد الطرفان بتقديم أجوبة ايجابية، في هذا المجال، إلا أن الولايات المتحدة علقت مساهمتها الايجابية على السلوك الصيني.
أما ثالث هذه النتائج فإن خبراء المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، وفي طليعتهم خبراء مصرف غولدمان ساكس، أخذوا يصنفون الصين في عداد الدول الصناعية الكبرى، وليس كدولة ذات اقتصاد ناشئ. إن هذا الترتيب الذي أٌرغم الخبراء على اعتماده يعود بالدرجة الأولى الى أن الصين خرجت من الأزمة العالمية بأقل الخسائر على الصعيد الاقتصادي، يضاف الى ذلك القوة النقدية التي تمتلكها هذه الدولة والإدارة الجيدة لاقتصاد مزدهر…




















