عندما ظهرت حركة «كفاية» في مصر قبل سنوات ضمت بين عناصرها أعضاء ينتمون إلى تيارات سياسية مختلفة. وكان تمثيل جماعة «الإخوان المسلمين» فيها محدوداً لكونها تفضل دائماً إدارة أنشطتها بنفسه لتربح نتائجها الإيجابية إذا تحققت وتتفادى أيضاً تحميلها من أي طرف، خصوصا، الحكومة وزر أخطاء أو تصرفات الآخرين.
آثارت «كفاية» ضجة كبيرة عند ظهورها ليس فقط نتيجة للشعارات التي رفعتها وسعت إلى تحقيقها، ولكن أيضاً لكونها ضمت شخصيات عامة ذات ثقل بين أوساط النخبة المصرية. لكن الحركة دخلت في معارك جانبية مع أطراف معارضة أخرى أثرت على نشاطها وخاضت معركة مع رئيس حزب التجمع الدكتور رفعت السعيد من جهة، ودخلت في تلاسن مع «الإخوان المسلمين» من جهة أخرى.
وبدا أن الهدف الذي رفعته «كفاية»، والمقصود هنا حكم الرئيس حسني مبارك، لم يتحقق حينما ربح مبارك الانتخابات الرئاسية الأخيرة. أما الشق الآخر الذي سعت إلى تحقيقه: «لا للتوريث» فلم يكن موجوداً على أرض الواقع خصوصاً بعدما تم انتخاب مبارك بالفعل. وبدا الضوء يتوارى عن الحركة بعد وفاة أحد أهم مؤسسيها وهو الدكتور عبد الوهاب المسيري رغم سعيها وحرص ما تبقى من رموزها على الوجود مع فئات المحتجين في التظاهرات أو مظاهر الاحتجاج التي انتشرت على سلالم النقابات وأمام مقار الأجهزة الحكومية أو البرلمانية. لكن المجتمع المصري بدأ يتغير والأزمات الاقتصادية والاجتماعية جعلت الناس تحتج، نعم ولكن ليس لأمور سياسية وإنما حياتية، وأخرج الناس السياسة من بين سلم الأولويات الحياتية وصار الاهتمام ينصب على الرواتب والعلاوات والمنح والمزايا المالية الشهرية أو السنوية, ومقابل العمل الإضافي أو الحفاظ على كيان شركات عامة يتم تخصيصها أو الانتقاص من مزايا يحصل عليها بعض الموظفين والعمال.
صحيح أن كل تلك الأمور تدخل ضمن بنود السياسة. لكن المواطن البسيط صار ينظر تحت قدميه لأن ظروفه لم تعد تسمح له أن ينظر بعيداً عنها ولم يعد يهمه كثيراً تمديداً أو توريثاً، وصار يعتقد بان تلك أولويات النخبة، وهو ليس نخبوياً، أوأنها عبارات تطلق وشعارات يرفعها المرفهون وهو ليس مرفهاً. لم يعد يمر يوم دون أن نجد مجموعة من المواطنين يرفعون شعارات احتجاجية في مكان ما للمطالبة بنيل حقوقهم المادية الى الدرجة أن أخبار الاحتجاجات صارت تحجز مساحات دائمة في برامج الفضائيات التي تبث من مصر وصار لها نجومها ومعلقوها الدائمون وتوارت السياسة الى الخلف. وحتى أقطاب حركة «كفاية» نجدهم موجودين في التظاهرات الفئوية لتقديم الدعم والمساندة بعدما ذهب الاهتمام بالسياسة مع الريح…
قد تعيد أجواء الانتخابات البرلمانية المقررة السنة المقبلة في مصر السياسة الى واجهة الصورة، كما في حال كل انتخابات جرت سابقاً، لكن يخشى أن تعيدها الى الصورة التي لا تراها إلا النخب السياسية أيضاً وعندها ستتناحر الحكومة مع قوى المعارضة، وسيتصاعد صراخ النخب حول المطالب السياسية حين يكون عدد من المواطنين يرفعون شعارات أخرى في أماكن أخرى تطالب بالعلاوة… أو زيادة الراتب.
"الحياة"




















