المستقبل
بتأخير دام 20 عاما، انتخبت حركة فتح قادة الانتفاضة الأولى، التي اندلعت في العام 1987، لقيادة الحركة. ومن بين القادة الجدد يمكن ذكر مروان البرغوتي، الموجود اليوم في السجن الإسرائيلي، محمد دحلان، توفيق الطيراوي وجبريل الرجوب وآخرين، وجميعهم من القادة الميدانيين الذين ارتقوا في سلم القيادة خلال الانتفاضة الأولى لكنهم اضطروا إلى الانتظار حتى اليوم كي تنتخبهم حركتهم قادة لها.
التقارير المنشورة في إسرائيل شددت على ظاهرة الوجوه الشابة التي شهدتها حركة فتح، لكن ثمة مبالغة في هذا الأمر. ذلك أن دحلان، الرجوب، البرغوتي، ورفاقهم ليسوا في عمر الشباب، وهم احتفلوا بعيد ميلادهم العشرين أو الثلاثين قبل أكثر من عشرين عاما. وهم منذ ترقوا في سلم القيادة، ازدادوا نضجا داخل الجهاز البيروقراطي المتشعب، والفاسد بشكل خاص، الذي أقامه ياسر عرفات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبرزوا بشكل خاص كقادة للأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية. هذه الأجهزة، كما يعرف كل إسرائيلي أو فلسطيني، اشتغلت كثيرا بالسياسة، لكنها انشغلت أيضا إلى جانب ذلك بالأعمال التجارية الفاسدة. ومن المسموح الإشارة إلى أنهم أقلوا الانشغال بالمواضيع الأمنية أو بمحاربة الارهاب، هذا إذا اهتموا أصلا بهذه المواضيع.
هكذا، بتأخير عشرين عاما وبعد أن سرقت حركة حماس من يد حركة فتح الشارع الفلسطيني وسيطرت على على غزة، تريد فتح، بقيادة الوجوه الجديدة-القديمة التي انتُخبت للقيادة، تجديد وجهها والانطلاق في طريق جديدة. ويميل كثيرون إلى التشكيك بفرص نجاح فتح في الصمود لفترة زمنية طويلة أمام الصراع الذي تخوضه مع حماس، وأن تستعيد لنفسها تأييد الجمهور الفلسطيني. لكن لا يوجد أدنى شك في أن انعقاد مؤتمر فتح وإجراء انتخابات لقيادة الحركة، أثبت أنه لا يزال هناك حياة وحيوية في الجثة الميتة التي نعاها كثيرون.
في الحقيقة، يمكن القول ان القرارات التي تبنتها حركة فتح غير جريئة ولا تشكل اختراقا، لكن الجميع، بما في ذلك إسرائيل، يمكنهم أن يعيشوا مع هذه القرارات، ولا سيما إذا تم النظر اليها باعتبارها مواقف أولية وليست نهائية، للبدء في المفاوضات الممكنة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.
بدأت تُسمع في إسرائيل أصوات تنادي بإطلاق سراح مروان البرغوتي، الذي انتُخب لقيادة حركة فتح، وفي المقابل ثمة أصوات تدعو إسرائيل إلى أن تنأى بنفسها عن حركة فتح لأنها لم تخط الخطوات المطلوبة نحو إسرائيل. لكن لا ينبغي أن تختلط الأمور علينا، فالصراع الحقيقي، وهذا ما جرى التأكيد عليه أيضا في مداولات المؤتمر، لا يدور الآن بين حركة فتح وبين إسرائيل، بل بين فتح وحماس، وفي هذا الصراع تعاني حركة فتح من تخلف يُقاس بسنين عديدة، إن لم نقل بعقدين. ومن أجل المسيرة السياسية، ومن اجل الشعبين معا- الإسرائيلي والفلسطيني- ينبغي التعلل بالأمل في أن تكون يد حركة فتح ويد " شبابها" الذين انتُخبوا لقيادتها، هي العليا.
("إسرائيل اليوم "12/8/2009)




















