من المؤكد أنّ الثقافة السياسية، مثل كل مستويات الثقافة، ليست معطى ثابتاً، بل هي معطى تاريخي يخضع لأولويات التطور الاقتصادي والاجتماعي. ففي العالم العربي مثلا تحولت البنية العائلية الأبوية، من جرّاء سياسات التحديث السطحي والفوقي، إلى " أبوية مستحدثة " حسب تعبير الدكتور هشام شرابي. وقد ترتب على ذلك موقف ملتبس من الآخر الغريب عن العائلة، وفي بعد آخر هو من عرق آخر، أو لا ينتمي إلى الطائفة، وفي نهاية المطاف هو الأجنبي.
بينما تتميز الثقافة السياسية الحديثة بأنها:
– إنسانية، من حيث اتجاهها إلى توعية الإنسان بحقوقه وواجباته، بهدف ما يحقق له ماهيته وجوهره.
– تنويرية وعقلانية، من حيث تأسيسها على مفاهيم الحرية والتسامح والاختلاف والكرامة والمساواة والديمقراطية، بقصد تنوير الأفكار والأذهان والسلوكات والعلاقات.
– نقدية، من حيث نزوعها إلى إعادة النظر في مختلف القيم والمبادئ والسلوكات التي تتنافى مع قيم العصر.
– عصرية، من حيث ضمانها تفتح شخصية المواطن على المحيط الذي يعيش فيه، أفراد ومؤسسات وقوانين، والتفاعل الإيجابي معه.
– قانونية، من حيث اقتناعها بضرورة تمفصل السلطات الثلاث: التشريعية، التنفيذية، القضائية. وضرورة انبثاق السلطة التشريعية عن انتخابات حرة ونزيهة وتعددية، تمارس دورها في تشريع القوانين ومراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية. أما السلطة القضائية، فيجدر بالثقافة السياسية العصرية أن ترسخ مفهوم استقلاليتها التامة عن أية مؤثرات خارجة عن إطار القانون والعدالة القضائية.
وقد لا نكون بحاجة إلى توضيح العلاقة بين التربية والثقافة, بما فيها الثقافة السياسية، فالعلاقة بينهما تمتد جذورها في أعماق الفكر الاجتماعي والإنساني, وتُعَدُّ من حقائق العلم في هذا الميدان, فالثقافة بالنسبة للتربية الإطار العام المحدد لحركتها وتوجهاتها, وعلى ضوئها تصوغ فلسفتها, وتستمد غاياتها وأهدافها, والتربية بالنسبة للثقافة: إحدى عناصرها ومكوناتها, ومقوماتها, والشرط الضروري لحفظها واستمراريتها ونقلها للأجيال, والعامل الفاعل في تجديدها وتطويرها, وانتقاء عناصرها ذات الفائدة في بناء المجتمع, ونهوضه وتقدمه, والحفاظ على تماسكه ووحدته, وهويته وذاته الوطنية. فالتربية وإن كانت إحدى عناصر الثقافة إلا أنها بمثابة القلب منها, الذي تتحرك حوله مختلف العناصر والمنظومات الأخرى, مما يؤكد أنّ العلاقة بين التربية والثقافة علاقة تفاعل, وتأثير متبادل, بالدرجة التي لا يمكن تصور وجود إحداهما دون وجود الأخرى. وقد ازدادت العلاقة وثوقاً, تلاحماً وترابطاً، في ظل التغيّرات ذات التأثير العميق على مختلف جوانب الحياة الإنسانية.
وتُعَدُّ التربية أحد العناصر المهمة القادرة على توفير ثقافة سياسية قائمة على تنمية قيم واتجاهات التفاعل والمشاركة بين المواطنين، والإخاء بين الأمم والشعوب, وتحقيق التفاهم والسلام العالمي، وذلك من خلال:
- العمل على تنمية ثقافة الديمقراطية داخل المدرسة, تعميقا لقيم التسامح والاحترام المتبادل, والتعبير عن الرأي والحوار المثمر وتشجيع التلاميذ على المشاركة في عمليات صنع القرار.
- تنمية قيم المواطنة لدى الشباب, لضمان مشاركتهم الفعالة في الحياة السياسية, وتحقيق الأهداف المنشودة, والقدرة على نقدها وتقويمها.
ولا شك أنّ وسائل الإعلام تشكل مصدر تلقّي معلومات ونماذج من السلوك والقيم، وبذلك تساهم في تشكيل أذهان الأطفال والشباب وتطلعاتهم وأنماط سلوكهم، سواء تخصهم كأفراد أو في علاقتهم مع الآخرين. مما يلزم استحضارها كمصدر رئيسي للثقافة السياسية والتنشئة المواطنية.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية منظمات المجتمع المدني التطوعية في تدعيم الثقافة السياسية وترقية الحياة إلى مستوى أفضل، انطلاقاً من الإحساس بعمق الانتماء الوطني ومسؤولية المشاركة المجتمعية. مما يعطي هذه المنظمات وجهة تمكّنها من القيام بدور هيئات تنمية تتوسط العلاقة بين السلطة والأفراد، حامية بذلك سلطة الدولة من اندفاع الأفراد والأفراد من تسلط السلطة، وهو ما يساعد – في آخر الأمر – على تحقيق الاعتدال والاتزان في الحياة الاجتماعية من جهة، ويعمق الثقافة السياسية العصرية من جهة ثانية.
وهكذا، فإنّ الإنسان في الدولة العصرية يولد مواطناً ويتفهم مواطنيته شيئاً فشيئاً، ويستوعب مضامينها ومستلزماتها بالتدريج، بواسطة حياته في الأسرة وفي المدرسة وفي محيطه الاجتماعي والسياسي، إلى أن يصبح شخصاً مستقلاً، مسؤولاً تمام المسؤولية عن نفسه. إذن، في هذه الأوساط الثلاثة الأساسية تُنحت شخصية الفرد، ويتحدد مصير المجتمع الذي لا يمكن أن يستقيم ما لم تضطلع هذه الأوساط بدورها في نشر الثقافة السياسية القويمة بين الناس ( ليست الشعارات التي تحرض على العنف والتطرف، وليست الخطاب الشعبوي، الذي يفتقر إلى العقلانية، ويقلل من أهمية الفكر الحر ويحط من شأنه، وتكمن وظيفته في التسويغ والتبرير، وطمس واقع الفروقات والاختلافات، واللجوء إلى التلفيق )، وتبصير الناشئة بحقائق الأمور، وتربيتها على ما يوجه الاجتماع الإنساني من احترام للذات البشرية وحقوقها الأساسية، تأصيلاً لحياة مدنية تنبذ العنف، وتقاوم كل أشكال التفرقة بين البشر.
تونس في 9/8/2009 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 13/8/2009.




















