[ الكتاب: بين الوطن والمنفى
[ الكاتب: شفيق الحوت
[ الناشر: دار الريس، بيروت 2007
المستقبل –
"أخي أبو عمار، سلام عليك يوم ولدت ويوم اختفيت وغبت، ويوم عدت إلينا سالماً معافى. فألف ألف حمد لله على السلامة". وبعد سرد موجز لما أصاب شعبنا من ذهول، وقيادتنا من شلل، استأذنته في أن يتسع صدره لكلمة أردتها صريحة ومجابهة… قلت: "أريدك قبل كل شيء أن تتأكد أني أعتبرك رئيسي وقائدي"… وأكملت بما معناه أن الأمة العربية منيت سنة 1970 بكارثة قومية كبرى برحيل عبد الناصر، وأنه ما كاد يمضي عام على رحيله حتى ارتدت ثورة تموز عن سيرتها ومسيرتها إلى النقيض. ونحن في الأمس القريب كدنا نتعرض للكارثة نفسها عندما "تعرضت طائرتك للسقوط والتحطم…" ورحت أشرح له عن الهلع الذي أصاب الكل جراء ما قد يؤول إليه مصير المنظمة ومصير "فتح". " فمعك في الشنطة التي كنت تحملها في الطائرة كل أسرارنا ومفاتيحنا وخططنا وكل ما يتعلق بشعبنا . . فإلى متى سيبقى حالنا هكذا؟ أما آن الأوان لوضع آلية تضمن تداول السلطة بشكل عادي وطبيعي ودون إثارة أزمات، أو توريث من لا يستحق فترتد ثورتنا عن هدفها كما ارتد البعض عن ثورة تموز"!
هذه المرة كان غضبه هائلاً إلى درجة الافتعال… وفوجئت أكثر أنه ركز في دفاعه عن أسلوبه في التفرد… أما ذروة الافتراء فكانت عندما وجه كلامه إلى شقيقه فتحي عرفات، وقال له بشكل دراماتيكي: "إسمع يا فتحي… إذا صرلي حادثة أو أي حاجة، لازم تعرف إنو إلى على "فتح" 500 ألف دولار"!
هذا غيض من فيض ما ضمنه الراحل الكبير شفيق الحوت في كتابه "بين الوطن والمنفى"، عن تجربة جيله في الثورة الفلسطينية، معتبراً أن هذا الكتاب سيرة وطن وشعب، في مرحلة محدودة من تاريخهما الموغل في القدم، المتخم بالصراعات والحروب، والمشهود لها بصناعة الحضارات… سيرة فلسطين وشعبها ما بين ثلاثينات القرن العشرين وبداية الألف الثالث للميلاد، وهي الفترة الزمنية التي شاءت الأقدار أن تكون فسحة عمره، الذي أمضاه بين فلسطين وجوارها.
تذهب اليوم إلى أي مخيم من مخيمات اللاجئين في فلسطين المحتلة او في المنافي، وتسأل أي طفل تصادفه عن مكان انتمائه، فيجيبك باسم القرية أو البلدة أو الخربة أو المدينة التي ولد فيها ابوه أو جده قبل عشرات الأعوام . أما أنا فمفارقتي مثيرة، ولم أتنبه لها إلا عند كتابتي هذه الكلمات بعد هذا العمر كله. لقد لفتني أن منظمة التحرير ولدت في اليوم نفسه من الشهر نفسه الذي ولدت فيه بفارق اثنين وثلاثين عاماً، وهو الثالث عشر من كانون الثاني/ يناير1964".
ومن بيروت التي كانت، على المستوى الشعبي شهمة وكريمة في استقباله متشرّداً، بدأت معاناته، مع النظام الرسمي، لا لذنب ارتكبه سوى أنه حاول تلمس الطريق الذي يعيده إلى الوطن، ويعيد الوطن إليه. ولم تشفع له أصوله اللبنانية. "فمن المؤسف أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ النكبة وربما حتى اليوم، لم تلحظ من الوجود الفلسطيني في لبنان غير الجانب الأمني".
اعتبر الحوت أن اهم إنجاز وطني حققه النضال الفلسطيني كان التأسيس لقيام منظمة التحرير. فبعد ستة عشر عاماً على النكبة، تبلور على الساحة الفلسطينية أربعة تيارات سياسية متباينة هي: التيار الكياني القطري الذي نفض يده من العمل العربي؛ التيار الماركسي اللينيني الذي طرح القضية من زاوية طبقية؛ التيار الإسلامي الذي طرح القضية من منطلق ديني وتكليف شرعي؛ التيار العربي الذي شكل امتداداً للتيار العارم قبل النكبة، والذي استمر على إيمانه بأن شعب فلسطين جزء من أمته العربية.
ومنذ بداية انطلاق منظمة التحرير اتخذت لجنتها التنفيذية قراراً بتكليف الحوت ممثلاً لها في لبنان أوائل تشرين الأول أكتوبر 1964. وكانت بداية حافلة بالصعوبات التي استطاع تجاوزها. "وعند تكليفي أول مهمة سياسية بعد نكسة حزيران 1967، وهي التوجه إلى العاصمة السودانية للمشاركة في اجتماع لوزراء الخارجية العرب تمهيداً للقمة المرتقبة فقدت الحوت براءتي السياسية إذ اكتشفت في هذا الاجتماع الذي امتد خمسة أيام متتالية أولى حقائق العمل السياسي العربي، وهي أن المسؤول الأول في أي قطر عربي، ملكاً كان أو رئيساً، هو وحده صاحب الكلمة، وهو لا يترك لوزيره إلا هامشاً ضيقاً للمناورة".
كانت من آثار النكسة سيطرة التنظيمات على المنظمة، وبالتالي بروز الصراعات التي وصلت حد التصفية الجسدية، حيث تعرض الحوت إلى عشر محاولات اغتيال.
وتطرق الحوت إلى أخطاء الثورة في الأردن التي أدت إلى الصدام الدموي، وبالتالي خروجها إلى لبنان حيث تكررت الأخطاء وتكرر الصدام. إلا أن الغزوة الصهيونة للبنان صيف 1982كانت من أهم العلامات الفارقة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة. وكذلك كانت انتفاضة 1987.
وإذ أفر الحوت بأن الهدف من تأليف الكتاب نقل تجربته من جيل إلى جيل "كي لا نكرر الخطأ، وكي لا يعيد التاريخ مآسيه". فإنه استدرك عما يعتري سيرته التي أودعها في كتابه، بالاعتذار "إلى كل شخص أو هيئة أو تنظيم قد يستشعر أني تجنيت عليه وربما ظلمته".
مراجعة: أسمهان شريح




















