تسلّم المفكر والناقد المصري جابر عصفور الجائزة الدولية للثقافة التي منحته اياها منظمة «يونيسكو» في احتفال اقيم في مقر المنظمة في باريس اول من امس، حضره المدير العام للمنظمة كويشيرو ماتسورا والشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة وجمع من المثقفين العرب. هنا نص الكلمة التي ألقاها عصفور في المناسبة:
اسمحوا لي، أولاً، أن أتوجه بالشكر العميق لمنظمة اليونسكو التي منحتني الجائزة الدولية التي تحمل اسمها والخاصة بخدمة الثقافة العربية، وأن أتوجه بالمقدار نفسه من الشكر، فضلاً عن الإعزاز الشخصي، لصاحب السمو الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة التي اقترحت هذه الجائزة، ولا تزال تقوم، مشكورة، بتمويلها ورعايتها، ولكم جميعاً التحية والشكر على حضوركم هذا الاحتفال البهيج الذي أرى فيه معنى جليلاً لتكريم الثقافة العربية، وتأكيداً لحضورها الفاعل والأصيل، في منظومة وحدة التنوع الثقافي الخلاق، بين أقطار الكوكب الأرضي وهي المنظومة التي ينطلق منها عمل اليونسكو، وتتمسك بها في مواجهة العولمة الوحشية التي تفرض توحيداً قسرياً، يهدد التنوع الثقافي الخلاق، ويسعى إلى إلغاء الخصوصية الثقافية، والهويات الحضارية التي لا يزال تنوعها مصدر غنى لا ينضب للبشرية بأسرها.
وأنا، شخصياً، من المؤمنين بالأهمية القصوى لتأكيد وحدة التنوع الثقافي الخلاّق التي ترعاها اليونسكو، في المدى نفسه الذي تؤكد فيه مبدأ الحوار لا الصراع، التسامح لا التعصب، التعاون لا التنافر، الاعتماد المتبادل، لا الأنانية والأثرة، فضلاً عن المضي قدماً في عبور الانقسام، وتجسير الفجوة بين الثقافات التي ينبغي أن يقوم الحوار بينها على التكافؤ الذي يحترم الاختلاف، ويرى فيه مصدر ثراء متزايداً للثقافة التي هي الأصل وراء كل تنمية بشرية، والعامل الفاعل في كل تقدم إنساني ولم يكن من قبيل المصادفة أن يكون واحد من أهم تقارير اليونسكو بعنوان «تنوعنا الخلاق» وهو تقرير تحمست له شخصياً، وأشرفت على ترجمته، كتاباً، إلى اللغة العربية، وقدمت الترجمة بتفصيل شارح وصدّر الكتاب بعنوان «التنوع البشري الخلاق»، في سلسلة المشروع القومي للترجمة، حين كنت أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة في القاهرة سنة 1997، قبل أن أتركه إلى رئاسة المركز القومي للترجمة.
والحق، أيها السيدات والسادة، أنني مثلكم، في الإيمان بوحدة الحضارة الإنسانية التي يتكون تاريخ تقدمها من تعاقب الأدوار الفاعلة للأمم التي تركت كل منها إنجازها الحضاري إلى غيرها اللاحق لها، في تعاقب دورات التاريخ ولذلك كان صعود كل دورة لاحقة مبنياً على ما حققته الدورات السابقة، التي أسلمت كل منها الشعلة إلى ما بعدها إلى أن وصلت الإنسانية إلى الحضارة المعاصرة التي تحوّل فيها الكوكب الأرضي إلى قرية كونية متجاوبة الأطراف، وذلك بفضل طفرة غير مسبوقة في تكنولوجيا الاتصالات، صحبتها طفرات موازية في اختراعات العلوم وابتكاراتها التي قلبت كل الموازين، وأسهمت في تغيير مفاهيم الزمان والمكان ووسائل الاتصال وأدوات السيطرة والهيمنة في الوقت نفسه.
وها نحن نجني الثمار الإيجابية والسلبية لذلك كله، فنشهد اتساعاً متزايداً في الفجوة بين الشمال والجنوب، ويزداد الأثرياء ثراء والفقراء فقراً، ونخرج من عالم ثنائي القطبين إلى عالم وحيد القطب، لكننا نرى بواكير تعدد من نوع جديد، مع صعود أقطاب تسعى إلى أن تحقق حضوراً متكافئاً، قد يعيد التوازن المفتقد في العالم، والذي نتجت منه واحدة من أقسى الأزمات المالية الاقتصادية، في تاريخ العالم المعاصر، خصوصاً بعد أن توحشت الرأسمالية التي صاحبتها نزعة عولمة مفترسة، كان من ردود أفعالها انفجار أصوليات دينية مدمرة ونزعات قومية وعرقية غير مسبوقة، وأزمات سياسية متكاثرة، ومخاطر ثقافية منذرة بالخطر وبعد أن كانت البشرية قد ودّعت، غير نادمة، القرن العشرين الذي شهد أفظع حربين في تاريخها، ذهب ضحيتهما الملايين من البشر، وبعد أن تطلعت الإنسانية إلى مطلع القرن الحادي والعشرين، ولا تزال تتطلع، بقلوب مفعمة بالأمل، وعقول مملوءة بالتفاؤل، ها هي يعاودها الخوف على مستقبلها، باحثة عن أفكار جديدة لمواجهة تحديات المستقبل.
وإذا كانت الثقافة العربية بعض مكونات مشهد هذا القرن الجديد الذي لم ينته عقده الأول بعد، فإن عليها أن تواجه تحدياته، مدركة، بوصفها منتسبة إلى العالم الثالث، أو عالم الجنوب، أن العبء الواقع عليها أقصى وأصعب وأكثر تعقيداً من العبء الواقع على غيرها من دول العالم المتقدم أو عالم الشمال، سواء في مدى التحديات الداخلية أو الخارجية.
أما عن التحديات المفروضة على الثقافة العربية من خارج محيطها، فأولها نزعة العداء المتصاعدة ضد الإسلام تعميماً لأفعال القلة على الكثرة، وإحياء لنوع جديد من الحرب الصليبية، تحت شعار معاداة الأصولية الإسلامية الإرهابية التي يعاني منها العرب والمسلمون قبل غيرهم.
وثانيها ما تشترك فيه دول العالم الثالث من افتقاد التعاون المطلوب من العالم الأول، وتحقيق شعار الاعتماد المتبادل ما بين دول الشمال والجنوب.
وثالثها خفوت صوت الدعوة إلى حوار الحضارات التي أطلقها الرئيس خاتمي باسم العالم الثالث، في الأمم المتحدة عام 1998، وتبنتها سياسات اليونسكو رسمياً إلى اليوم، لكنها أصبحت في حاجة ماسة إلى ضخ دماء جديدة، وتشكيل خرائط معرفية مغايرة، تعينها على مواجهة التحديات التي أصبح يفرضها عالم القرية الكونية التي نطلق عليها اسم الكوكب الأرضي
أما على المستوى الداخلي للثقافة العربية فهناك، أولاً مشكلات الأصولية الدينية التي اتخذت طابعاً قمعياً، وتعولمت، ناشرة الرعب، تحت رايات الإسلام الذي هو بريء من كل جرائمها في جوهره السمح الذي يدعو إلى المجادلة بالتي هي أحسن، وتحيته «السلام» التي هي دعوة الى الإخاء والمحبة والمساواة بين البشر جميعاً، مهما اختلفت دياناتهم ومعتقداتهم.
ثانياً، الاستبداد السياسي وتقلص الديموقراطية وشيوع طبائع الاستبداد التي تجد في الأصوليات الدينية خير معين لها على البقاء والاستمرار
ثالثاً، الأزمات الاقتصادية خصوصاً في الأقطار ذات الكثافة السكانية العالية التي يدفع الفقر أبناءها إلى الوقوع في شراك الأصوليات الدينية، وذلك في موازاة ضعف التنمية بكل مجالاتها التي تؤدي إلى عدم تنمية الثقافة نفسها وهو أمر يؤدي إلى استقواء ثقافة تقليدية تعادي التقدم وتعرقل خطاه.
هذا الوضع الحالي للثقافة العربية يفرض على المثقف العربي وضعاً خاصاً يميزه عن قرينه في الدول المتقدمة. فهو مثقف يقع ما بين مطرقة الأصولية الدينية الكارهة للتقدم الذي تراه بدعة ضلال خاسرة، وسندان دولة التسلط، القامعة، فيعاني مشكلات حرية التعبير والقمع المباشر وغير المباشر لكل جديد أو مغاير أو مختلف.
هكذا يواصل هذا المثقف طريقه ممزقاً بين عالم التخلف الذي يعاني أقسى ما فيه، متطلعاً في الوقت نفسه إلى أحدث منجزات عالم التقدم الذي عليه أن يكون ملماً وعارفاً بكل جديد فيه.
وهذا وضع خاص لا بد من أن يستنفر روح التحدي والقدرة العنيدة على المقاومة والتطلع الدائم إلى المستقبل، ومحاولة الإفادة والتفاعل مع كل إنجاز علمي وفكري على امتداد الكوكب الأرضي، وذلك كله من دون أن يفقد وعيه بخصوصية واقعه، ونوعية مشكلاته، منهجه في ذلك أقرب إلى ما قاله المهاتما غاندي، ذات يوم.
«لا أريد لبيتي أن تحيط به الأسوار من كل جوانبه، وأن تسد نوافذه، أريد ثقافة البلاد كلها أن تهب على بيتي بحرية تامة، لكني أرفض أن تقتلعني إحداها من الأرض».
إن أقدامنا الضاربة في جذور واقعنا، ووعينا المفتوح بتراثنا الخلاق، خصوصاً في عصور ازدهاره التي عبرت بها الحضارة الإنسانية إلى العصر الحديث، وعقولنا المفتوحة على كل إبداع إنساني جديد، في مجــالات الفكر والعلم والفن، وإيماننا بالحوار الخلاق المــتكافئ بين الثقافات والحضــارات، هو إطـــارنا المرجعي الذي نعتبره بوصلتنا الهادية في طــريق مملوء بالتحديات التي نواجهها جميعاً، أملاً بمســـتقبل أبـــهى وأجمل للإنسانية التي نحــن طــرف أصــيل، وفــاعل فيها.
"الحياة"




















