تنفس النظام الإيراني الصعداء حين فاز باراك أوباما في الانتخابات الأميركية. ارتاحت طهران لاعتقادها ان الإدارة الجديدة في واشنطن ستقلب نبرة الحرب إلى الحوار. ولكن ماذا عن أوباما؟ هل يستطيع التعامل بارتياح مع محمود أحمدي نجاد قبل الانتخابات الرئاسية في ايران في أيار 2009؟ الأمر سيكون شديد الصعوبة بالنسبة إليه مع إيران بحكومتها هذه وسياستها الحالية. ولا ننسى ان وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" تعتبر ان القنابل الإيرانية المزروعة على الطرقات هي سبب مقتل العديد من جنودها في العراق، وقد نفت طهران ذلك مراراً وأكدت ان الاتهامات ملفقة ولا أساس لها، غير ان الواقع يشير إلى تدخل اليد الإيرانية في المسائل الأمنية في العراق، وبدرجة أقل في أفغانستان. وقبل أشهر، حين اشتد التوتر بين الجانبين ولاح شبح المواجهة العسكرية، سرب ديبلوماسي إيراني في دولة الإمارات العربية المتحدة عبر مسؤولين أفغان رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها :"سنحول أفغانستان والعراق جحيماً للجنود الأميركيين إذا هوجمت منشآتنا النووية".
الآن وجه أحمدي نجاد، وهو رئيس دولة غير صديقة، رسالة تهنئة إلى أوباما بعد انتخابه، وذلك في سابقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية. وكانت خطوة الرئيس الإيراني شديدة الجرأة فإنها أغضبت البعض في معسكره المحافظ. ففي نظر رجال الدين المتشددين في حوزة قم، يعني تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة خسارة النفوذ الكبير الذي يتمتعون به في العالم الإسلامي المستمد من الدعم الذي يوفرونه لـ"حماس" و"حزب الله" والمقاتلين في العراق وحتى في أفغانستان. ولكن هل على الإدارة الأميركية أن تصدق أن إيران تشهد تحولاً وتغيراً في السياسات؟ ولماذا لا يزال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي صامتاً حيال الرسالة؟ هل كان وراءها؟ وقبل سبعة أشهر من الانتخابات الإيرانية، هل تتقلص أكثر فأكثر حظوظ أحمدي نجاد؟ وماذا سيفعل بعد لاجتذاب الناخبين؟ الانفتاح على خيار علاقات أفضل مع الولايات المتحدة؟
الرئيس الإيراني يواجه الكثير من الضغوط والصعوبات حتى قبل انتهاء ولايته الأولى، فالتضخم بلغ 30 في المئة في اقتصاد متراجع، وعدد العاطلين عن العمل وصل إلى ثلاثة ملايين، والموارد المالية التي يوفرها النفط تتقلص مع هبوط الأسعار. وقد غيّر الرئيس الإيراني وزير الداخلية ثلاث مرات وبدّل تسعة أعضاء آخرين في الحكومة، وكل ذلك دليلاً على فوضى كبيرة في إدارة الحكم. كما أنه ببلوغ أسعار الحاجات اليومية والمنازل مستويات قياسية، يحتاج احمدي نجاد معجزة لإقناع الناخبين في أيار بالاقتراع له ليتولى ولاية جديدة من أربع سنوات.
وقد تكون الرسالة إلى الرئيس الأميركي المنتخب تلك المعجزة. إذ لم يجرؤ أي رئيس إيراني من قبل، بما في ذلك الإصلاحي محمد خاتمي، على خطوة فتح قناة اتصال مباشرة مع الإدارة الأميركية. وما قام به نجاد يُعد أسلوباً لا سابق له في السياسة الخارجية لبلاد لا تقام صلاة الجمعة فيها من دون ترديد هتاف "الموت لأميركا".
ويعتقد الكثير من المراقبين أن الإيرانيين المحبطين من ضعف الأداء الاقتصادي وسوء الحكم سيقترعون لمرشح رئاسي قادر على إنعاش الاقتصاد. وإذا تمكن نجاد من اقتناص تلك الفرصة بإقامة حوار مباشر مع الولايات المتحدة يؤدي إلى رفع، ولو جزئي، للعقوبات الاقتصادية الأميركية، فإنه يكون حقق إنجازاً مهماً لذاته وحكومته. ذلك أن التخفيف من وطأة العقوبات ينقذ الاقتصاد، وحينها تقل مطالب المواطنين في ما يتعلق بحقوق الإنسان وحريات التعبير.
ولم تكن رسالة التهنئة إلى أوباما خارج هذا الإطار. ولكن من الخطأ الافتراض ان اي حوار بين ايران والولايات المتحدة سيطلق حقبة التطبيع بينهما. ذلك ان ما تنشده طهران هو علاقات على غرار تلك الموجودة بين أميركا وكوبا، أو أفضل منها بقليل. أي أن تقوم صلات تخدم مصالح الجانبين وسط ضوابط محددة. وهذا يعني ان الجمهورية الإسلامية ترحب بفتح الولايات المتحدة مكتباً لرعاية المصالح داخل السفارة السويسرية في طهران يؤمن تأشيرات الدخول، وبتبادل الرحلات الجوية المباشرة، ولكن من دون بلوغ العلاقات الديبلوماسية الكاملة. والمفارقة أن مثل ذلك المكتب سيوفر فرصة أفضل للاستخبارات الإيرانية لمراقبة المواطنين الفقراء الذين سيتقدمون بطلبات للحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة وحتى تحديد أماكن سكنهم، والاطلاع عن كثب على هويات الأميركيين الذين سيزورون البلاد.
وفي ما يتعلق بقضايا العراق وأفغانستان، تريد إيران تنسيقاً أميركياً دائماً معها واعترافاً بدورها في تحقيق الأمن الإقليمي. وسيكون من السذاجة الاعتقاد أن طهران ستتخلى عن موقفها المعادي لاحتلال العراق والوجود الأميركي والأطلسي المستمر في أفغانستان. الولايات المتحدة هي جار غير مرغوب فيه لإيران، ولكن لا مفر أمام الجانبين من محاولة التحاور. بيد أنه لا يمكن أبداً فتح سفارة لواشنطن في طهران في عهد المرشد خامنئي، فالقرار الأخير له، ومعاداة أميركا في صلب اقتناعاته، وأي تطبيع للعلاقات يسهل في نظره تدفق الجواسيس إلى الجمهورية الإسلامية ويحقق طموحاتهم في إطاحة النظام، وهذا الأمر الوحيد الذي يخيف الجمهورية الإسلامية منذ نشأتها. ومع ذلك، تمكن أحمدي نجاد من القيام بخطوته الجريئة تلك حيال الولايات المتحدة لكونه مقرباً من المرشد. فحين قال خاتمي خلال ولايته الأولى عام 1997 لمراسلة شبكة "سي ان ان" الأميركية للتلفزيون كريستيان امانبور إنه يتطلع إلى انهيار جدار عدم الثقة بين بلاده والولايات المتحدة، تعرض لهجوم عنيف من المحافظين. أما أحمدي نجاد، فله خلفية مختلفة، ذلك أن إيمانه بالثورة وولاءه للمرشد والإسلام لم يكونا يوماً موضع تشكيك. وفي المقابل، لا يثق خامنئي بالإصلاحيين الذين يخضع سياسيوهم ومثقفوهم لحملات مستمرة، فهو يعتقد أنهم يسعون إلى تقويض النظام الحالي من خلال التطبيع مع الولايات المتحدة التي ستمدهم بالأموال والدعم لإدخال تغييرات كبيرة على هيكلية النظام، بما في ذلك السلطة المطلقة للمرشد الأعلى.
وقد هنأ الإصلاحيون أحمدي نجاد على محاولته فتح كوة للحوار مع الولايات المتحدة، كاسراً بذلك أحد الثوابت والمحرمات في السياسة الإيرانية، لأن هذا الأمر سيفيد منه بلا شك الرئيس الإيراني المقبل، كائناً من كان وإلى اي معسكر انتمى.
وربما كان الأفغان والعراقيون يتضرعون إلى الله يومياً لتتحقق معجزة التقارب الأميركي – الإيراني. فقد كان تعامل كابول مع طهران أسهل بكثير في عهد خاتمي، خصوصاً في ما يتعلق بمصير مئات آلاف اللاجئين في إيران. ونقل الأفغان شعورهم هذا إلى الرئيس الأميركي جورج بوش حين سنحت لهم الفرصة. وقد قال لي مسؤول أفغاني رفض ذكر اسمه إن الرئيس الأفغاني حميد كرزاي سأل بوش لماذا لم يدعم خاتمي حين كان لا يزال رئيساً. وأفاد المصدر الذي حضر الاجتماع في البيت الأبيض أن بوش لم يقدم رداً مباشراً. ولكن بعد انتهاء لقاء العمل، أقر مسؤولون أميركيون لنظرائهم الأفغان بأن إدارة بوش أخطأت بعدم دعم الإصلاحيين. وفي رأيي، فإن واشنطن تمنت لو أنها تعاملت مع حكومة خاتمي حين لمست اختلافه الكبير عن أحمدي نجاد. والمشكلة أن الولايات المتحدة لم تكن تريد التواصل مع الجمهورية الإسلامية، ولم تكن هوية الرئيس تهمها، إذ لم يكن أي منهم يعجبها لاعتقادها أن لا فوارق بينهم.
وبالعودة إلى العلاقات الإيرانية – الأميركية، فإننا قد لا نشهد أي تطور في الأشهر الستة المقبلة. لا شك في أن الإدارة الجديدة في واشنطن تود كذلك التريث لمعرفة هوية الرئيس الجديد في طهران لتقرر خطوتها المقبلة. فبالنسبة إلى زعماء أوروبا والولايات المتحدة، سيكون التعامل مع أي كان في إيران أكثر سهولة من محاورة أحمدي نجاد المعروف بمواقفه العدائية حيال اسرائيل والغرب. أما إذا فاز بولاية رئاسية ثانية، فسيجد الرئيس الأميركي المنتخب طريقة ما لمحاورته، وإن ليس في المستقبل المنظور.
ولكن لا شك في أن أوباما لا يستطيع تعليق الرد على الرسالة إلى ما بعد الانتخابات الإيرانية. لذا من الأرجح أن يشكر نجاد في رسالة رسمية مماثلة مكتوبة بحذر وتحفظ شديدين يتمنى فيها رؤية المزيد من الإشارات الودية الصادرة عن طهران، ويطلب معاودة المفاوضات بشأن العراق والتشاور في ما يتعلق بأفغانستان والعودة بروح إيجابية إلى الحوار مع مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا بشأن الملف النووي.
وكذلك سينتظر خاتمي دخول أوباما إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني ليسمع ما سيقوله حينها عن إيران بصفته رئيساً للولايات المتحدة. ولكنه يستطيع التعويل على التأييد الشعبي ليعود بقوة إلى الواجهة، وإن يكن لا يحظى بعد بدعم المرشد الأعلى.
إيران أيضاً تحتاج التغيير، وحتى الآن ليس هناك من هو أكثر شعبية من خاتمي وقدرة على اجتياز العراقيل التي يضعها مجلس الخبراء. ويبدو أن الاقتصاد والعلاقات مع الولايات المتحدة سيكونان الموضوعين الأساسيين المحركين للانتخابات الرئاسية في إيران.
وكما تنفس الإيرانيون الصعداء مع فوز أوباما، فإن الأميركيين سيحبسون أنفاسهم ويعقدون الآمال على خسارة أحمدي نجاد بعد أشهر…
ارسلت الكاتبة هذا النص لـ"قضايا النهار"
الترجمة عن الانكليزية لسوسن أبوظهر
كاميليا انتيخابيفرد (•)
((•) كاميليا انتيخابيفرد صحافية إيرانية مقيمة في نيويورك،متخصصة في شؤون إيران وأفغانستان.لها كتاب "كاميليا انقذي نفسك بقول الحقيقة"الذي نشرت "قضايا النهار" مراجعة له في 21 أيار 2007. )
"النهار"




















