وليد شقير
أثبتت التطورات الدراماتيكية الحاصلة في العراق، كما في فلسطين ولبنان وغيرها من المناطق أن التغييرات على صعيد العلاقات الدولية، والمرتبطة بالتغيير الذي حصل في الولايات المتحدة الأميركية، تحتاج الى الكثير من الوقت كي تنعكس على الوضع الإقليمي، على رغم ان هذه التغييرات أنتجت متغيّراً مهماً من الطبيعي ان يعدل في طبيعة الصراع الدائر في ميادين أساسية، هو الانسحاب الأميركي المتدرج من العراق الذي يفترض ان يستكمل بنهاية عام 2011.
وإذا كانت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تأمل بانسحابها من العراق، أن يؤدي الى «تحريرها» من عبء سياسة الرئيس السابق جورج بوش بعد «تحريره» العراق من نظام صدام حسين، فإن المرحلة الانتقالية لا تقود حكماً الى ملاقاتها في هذا التغيير من خلال تعديل سلوكيات الأطراف الإقليمية الأخرى التي استفادت من المستنقع العراقي لتوجيه الضربات للمشروع الأميركي في المنطقة إبان عهد بوش.
وإذا كان بدا للحظة ما أن إطاحة مشروع «المحافظين الجدد» الذين صادروا الإدارة الأميركية منذ مطلع الألفية الثالثة (وهي إطاحة حصلت قبل نهاية ولاية بوش) ستقود في المقابل الى العودة عن السياسات المضادة التي اتُّبعت في مواجهته ولا سيما من قبل إيران وسورية والأذرع السياسية العسكرية التي تتوسلانها ومنها «حزب الله» في لبنان وحركة «حماس» في فلسطين، فإن الأحداث أثبتت العكس. فالسعي الى ملء فراغ الانسحاب الأميركي من العراق يستخدم الأساليب القديمة ذاتها، حتى لو قاد الأمر الى الفوضى مجدداً بعد أشهر من الآمال بعودة تدريجية للاستقرار، وحتى لو أدّى الى تغذية الانقسامات الداخلية، بما فيها الانقسام بين الشيعة كما هو حاصل الآن قبل بضعة أشهر من الانتخابات العامة في العراق والمنتظرة في كانون الثاني (يناير) من العام المقبل.
هكذا تراجع «المحافظون الجدد» وأخذت أميركا تنكفئ، لكن «الإسلاميين الجدد» و «البعثيين الجدد» واصلوا معركتهم كأن لا تراجع ولا انكفاء من الجهة الأخرى، يوجبان سياسات جديدة. بل ان إيران وسّعت اعتمادها سياسة الحروب البديلة من اجل كسب المزيد من الأرض في المنطقة وبلغت اليمن السعيد بإنشائها منطقة نفوذ عبر الحوثيين، على مقربة من الحدود السعودية – اليمنية، بعد الحروب البديلة التي خاضتها في لبنان وفلسطين، وما زالت تخوضها في العراق وأفغانستان… أما سورية فإنها مع إبدائها الاستعداد للتأقلم مع السياسات الدولية الجديدة، تحت عنوان الانفتاح عليها، تقدم بالمقابل التزامات في لبنان وفلسطين والعراق، لكنها غير قادرة في الوقت نفسه على مغادرة التزاماتها القديمة بالعلاقة مع ايران، ومع ما بنته وفقاً للسياسات السابقة في مواجهة واشنطن والوضع الدولي الذي سبق وصول أوباما.
ولا تشذ إسرائيل عن القاعدة. فالضوء الأخضر الدائم الذي أعطتها إياه اميركا – جورج بوش أدّى الى بناء وقائع على الأرض، يصعب عليها العودة عنها، في ظل توجه إدارة أوباما نحو تفعيل المفاوضات مع الفلسطينيين بأفق الوصول الى حل الدولتين. فسياسة الاستيطان وجدار الفصل هدفهما تجويف أي حل قبل ان يحصل. ولا حل لمعضلة الموقف الإسرائيلي إلا بتغيير في الموقف الأميركي حيال إسرائيل، يكون بمستوى التغيير الذي أحدثه أوباما، بقراره الانسحاب من العراق، إذ لا مجال لتحقيق واشنطن أوباما طموحها بتجديد قيادتها للعالم إلا بموقف من هذا النوع.
في الانتظار، لن تقلع الدول المعنية بالأزمات الإقليمية عن أساليبها القديمة. وإذا كانت إسرائيل تأمل الإفادة من لعبة الوقت كي تتجنب التنازلات، فإن إيران تملأ الفراغ بحروبها البديلة في مواجهة إمكان تصعيد العقوبات ضدها، وسورية تتقن بدورها هذه اللعبة وفن الانتظار، لأنها تربط ضمنياً تخليها عن الأوراق التي اكتسبتها بما ستؤول إليه نتائج تحقيقات المحكمة الدولية تجاهها.
وسط هذه التعقيدات المتشابكة يصبح الانتظار في لبنان طبيعياً، وتأخير تشكيل حكومته مسألة تفصيلية، على اللبنانيين ان يعتادوا عليها، مع السعي الى خفض الكلفة.






