شخصية تركية احتلت منصبا حكوميا رفيعا في التسعينات من القرن الماضي أكثر من مرة، قالت لي خلال لقاء في احدى المدن الأوروبية إن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان – الذي لا تحبه هذه الشخصية – هو رجل "محظوظ جدا في الحياة السياسية من حيث ملاءمة عدد من الظروف الخارجية والداخلية بما يسمح له بأخذ مبادرات كبيرة وعلى رأس هذه الظروف الملائمة وجود شخصيات في قيادة الجيش التركي من طبيعة منفتحة ومرنة نسبيا الى حد كبير… بينما كان هو وزملاؤه أيام كانوا في الحكم يتعايشون مع شخصيات عسكرية متشددة جدا".
على أهمية العامل الشخصي في العلاقات السياسية داخل الدول وخارجها فان المبادرات ذات الاهمية التاريخية لا تقرر نجاحها أو فشلها كفاءة القائد السياسي او "حظه" وحدهما بل عوامل بنيوية تتعلق أساسا بمدى نضج المجتمع والدولة لتلقف هذه المبادرة او تلك.
المبادرة الحوارية التي اتخذتها حكومة "حزب العدالة والتنمية" عبر وزير داخليتها حيال المسألة الكردية في تركيا هي بدون شك مبادرة تتعلق باحدى أهم المسائل حول هوية تركيا وطبيعة الدولة فيها، إن لم يكن أهمها على الاطلاق.
لذلك السؤال الاستراتيجي الذي ستجيب عليه الاشهر المقبلة الحيوية في تركيا هو:
ما الذي نضج في تركيا اليوم لكي يصبح ممكنا حل المسألة الكردية التي اندلعت بشكل دموي منذ ربع قرن مضى حتى الآن؟
هل هي الطبقة السياسية؟ هل هي المؤسسة العسكرية؟ هل هي بنية الاقتصاد التركي؟
سنتأمل في كل هذه العوامل الثلاثة وسأبدأها بالعامل الاقتصادي الذي قد يبدو إدراجه مفاجئا في هذا السياق.
1 – اندلعت الحركة الكردية تحت الشعار الانفصالي المسلح في منتصف الثمانينات من القرن الماضي عبر "حزب العمال الكردي" (PKK) الذي تخرج زعيمه عبدالله أوجلان من كلية العلوم السياسية الشهيرة في أنقرة التي لا يزال يتخرج منها جزء مهم من النخبة السياسية والاعلامية التركية وبينها الرئيس الحالي عبدالله غول.
تَصادف (وهناك من يضع هلالين في تركيا حول كلمة: "تصادف") انفجار المواجهة بين الجيش التركي وPKK فترة بداية نهوض في الاقتصاد التركي صناعيا وخدماتيا وتكنولوجيا. كان وزير الاقتصاد ولاحقا رئيس الحكومة فرئيس الجمهورية توركوت أوزال يشرف على التخطيط لها بعد عودة الجيش التركي الى ثكناته اثر انقلاب عام 1980. لقد كان للحرب الضارية في مناطق الجنوب الشرقي بين وحدات الجيش و"حزب العمال" نتائج انسانية وخيمة يتحمل مسؤوليتها ايضا PKK الذي كان صاحب استراتيجية ارهابية في تلك المرحلة تقوم على تفجيرات ضد المدنيين في المدن التركية الكبرى. لكنها كانت حربا تخدم النهوض الاقتصادي من حيث انها كانت تدفع بعشرات ومئات ألوف الفلاحين الأكراد الهاربين من العنف الى ضواحي اسطنبول وأنقرة وأزمير مؤمنة عمالة منخفضة الاجور للصناعات التركية الصاعدة خصوصا في مجالات النسيج والمقاولات العمرانية.
السؤال المختصر الآن: هل درجة "النمر" التي بلغها الاقتصاد التركي في مناطق جنوب أوروبا والبحر الابيض المتوسط والبحر الاسود باتت تجعله الآن يستغني عن العمالة الرخيصة بالمعنى الذي كانت عليه قبل ربع قرن… وهل قرار حكومة "حزب العدالة والتنمية" متصل مباشرة بارادة متبلورة لدى اتحادات الصناعيين القوية في تركيا… من حيث ان حاجات النمو الاقتصادي باتت تتطلب التوسع الى مناطق لا يطالها سابقا وهي الجنوب الشرقي حيث الكثافة الريفية الكردية لأن الكثافة المدينية أصبحت في اسطنبول المعتبرة بملايينها ما فوق الاربعة المدينة الكردية الاولى في العالم؟ مما يعني الحاجة الى السلام في مناطق الجنوب الشرقي؟
2 – هل نضجت الطبقة السياسية التركية لحل كردي؟ كانت هذه الطبقة تقليديا بصراعاتها الحادة عبئا على أي حل لأن معظمها كانت تفوته رؤية شاملة لهذه المسألة مع استثناءات لم تستطع بلورة توجهاتها ولم يساعدها التطرف الكردي سابقا في ذلك. اليوم مع "حزب العدالة والتنمية" نشأ "جناح" نافذ بل قيادي في هذه الطبقة يستطيع، كما في وسائل أخرى، أن يحاول فكفكة المفاهيم المتحجرة لنظرية: "الدولة – الأمة" بمعناها القرن تاسع عشري مدعوما من تطور ليبرالي لدى العديد من المثقفين الاتراك غير الدينيين ولكن الذين يلتقون حاليا مع "الديني" رجب طيب أردوغان مع أنهم آتون من جذور فكرية يسارية، غير أن رد فعل الحزبين الآخرين في البرلمان على المبادرة الحكومية المتعلقة بالاكراد وهما "حزب الحركة القومية" (MHP) وحزب الشعب الجمهوري (CHP) لا يدعو الى التفاؤل على هذا الصعيد. لكن اذا كان رد فعل (MHP) طبيعيا وهو يعتبر نفسه حزب الأمة التركية المتشدد (أو "الذئاب الرمادية") من حيث الرفض المبكر التهويلي بخطر "التنازل" حيال "أعداء الأمة" فإن موقف (CHP) مخيب للآمال لأنه كان يمكن ان يكون بحكم مجيئه من إرث يسار الوسط أكثر انفتاحا على استيعاب سياسي للموضوع الكردي. هذان الحزبان يعكسان استمرار القصور التقليدي في الطبقة السياسية التركية رغم التحولات.
3 – تدخلت المؤسسة العسكرية، وكان من الطبيعي ان تتدخل لاعلان موقفها – أو حساسيتها – حيال مسألة بهذه الأهمية وهي التي لا تزال في نظر نفسها كما في نظر قطاعات واسعة من المجتمع التركي "حامية الدولة والوطن" الأكثر موثوقية.
قيادة الجيش، كما بات معروفا، دعت الى عدم المس بـ"البنية الواحدة" للدولة التركية بما يقفل الباب على أية طروحات فدرالية او حتى اعتراف سياسي بأمة كردية، في الوقت نفسه أكدت المؤسسة العسكرية على احترامها للاختلافات الثقافية.
البعض، متسرعا، قرأ موقف الجيش على أنه رفض للمبادرة. هذا ليس صحيحا اذا جرى التدقيق بما بين أسطر الكلمات، انها "خطوط حمر" وقائية أكثر منها فيتوات صارمة، وبينها مثلا الاشارة الى رفض الجيش التحاور مع "منظمة ارهابية"… قاصدة حزب العمال…
في الواقع وعكس التفسيرات المبنية – خصوصا في العالم العربي – على أفكار مسبقة سلبية، لعبت المؤسسة العسكرية رغم الانقلابات الثلاثة أعوام 1960 و1971 و1980 دورا مقابلا في تعزيز منحى عودة الحياة المدنية الديموقراطية بسرعة. وهذه ميزة مختلفة للجيش التركي عن بعض الجيوش العربية التي خرجت من ثكناتها منذ الخمسينات ولم تعد حتى الآن! حتى ما سمي "الانقلاب ما بعد الحداثي" عندما وجه الجيش انذاره الى حكومة نجم الدين أربكان "الاسلامية" عام 1997 بضرورة الاستقالة… فأذعنت واستقالت، لا يجب أن ينسينا ان الجيش نفسه هو الذي ساهم أو غض النظر عن وصول أربكان وحزبه يومها الى رئاسة الحكومة. هذا يعني ان المواقف لها بعدان… السماح بالتجربة والسعي لضبطها في آن معا. وهذا ما حصل ايضا مع "تلميذ" أربكان المنشق عنه تماما رجب طيب أردوغان. سُجن أردوغان ثم خرج من السجن – وهذا ليس صدفة – ليخوض انتخابات ويفوز بها للمرة الاولى عام 2002.
هذه شواهد جوهرية على عقلانية المؤسسة العسكرية وخصوصية موقعها في تركيا رغم الاختلافات العميقة المتعلقة بدورها. الآن في المبادرة الكردية يرسم الجيش في الواقع "خارطة طريق" حولها ولا يتخذ موقفا ضدها كما قد يظن بعض المراقبين. بهذا المعنى، تصبح المسألة "قضية دولة" لا حكومة فقط، مثلما قلنا دائما – والشيء بالشيء يذكر – انه عندما تنضم المؤسسة العسكرية الى سياق ما، كما في التعامل الصارم مع الوضع في شمال العراق، او كما في العلاقات المتينة بين دمشق وأنقرة، يصبح القرار قرار "الدولة التركية" برمتها.
الحوار مفتوح الآن حول المبادرة… وظهور "المؤسسة العسكرية" فيه بالشكل الذي ظهرت ليس فقط دليلا على خطورته الوطنية، بل أيضا دليل على سياقه البنّاء؟
أما الجزء المتعلق بالعوامل الخارجية، فدائما أوروبيا وأميركيا هناك دفع معلن بهذا الاتجاه… الحواري.
(•) 30 آب هو عيد "الجيش التركي" السنوي.
(alkadaya@hotmail.com)
"النهار"






