شدّدت الادارة الاميركية في عهد الرئيس السابق جورج بوش على مبدأ نشر الديموقراطية وحقوق الانسان في العالم العربي، ضمن رؤية متكاملة رسمت لها مجموعة من الاهداف تنبع جميعها من محاولة الاستفادة من دروس أحداث الحادي عشر من ايلول التي شكّلت صدمة حقيقية في الولايات المتحدة.
كان من أبرز الدلائل على رغبة الادارة الاميركية تحقيق وعودها بتعميم الديموقراطية وحقوق الانسان في المنطقة، إطلاقها العام 2002 "مبادرة الشراكة مع الشرق الاوسط"، التي عُرفت باسم "ميبي"، الهادفة الى تحقيق الديموقراطية والتنمية عبر دعم مؤسسات المجتمع المدني العاملة في هذا السياق. وكانت تونس معنية ربما أكثر من غيرها بهذه المبادرة. فعلاوة على كونها من الدول التي تشملها هذه المبادرة، كانت أحد الحاضنين لواحد من المكتبين الاقليميين للمبادرة أقيم في السفارة الاميركية في تونس للاهتمام ببلدان المغرب العربي، اضافة الى لبنان ومصر وفلسطين.
بين "الميبي" والديبلوماسية الاميركية الجديدة
لم يخفِ أول مسؤول عن مكتب "الميبي" في تونس بيتر مالريان قبيل استلام منصبه الجديد تخوّفه من هذه المهمة، وأقر في تصريحات صحافية بأن "مهمته ستكون صعبة". كما اعترف بأنه سيتحرك هو والفريق المساعد "في أجواء تونسية وعربية معادية للادارة الاميركية". وقد جاء هذا الاعتراف كنتيجة طبيعية للمواقف التي استمع اليها من النخبة التونسية خلال زيارته الاستطلاعية لتونس. فقد عبّر العديد من ممثلي أحزاب المعارضة ومن القادة المدنيين الذين التقاهم عن "شكوكهم في صدقية الخطاب الاميركي المتعلّق بنشر الديموقراطية في العالم العربي"، وانتقدوا بشدة "الممارسات الاميركية في العراق، والسكوت عن الانتهاكات الاسرائيلية، الى جانب التراجعات التشريعية التي أقدمت عليها إدارة الرئيس بوش في مجال حقوق الانسان".
لم يقتصر الدور الاميركي في تونس لتشجيع الديموقراطية وحقوق الانسان على مكتب "الميبي"، بل واصل الجناح الديبلوماسي العمل في الاتجاه نفسه من خلال علاقاته مع المسؤولين الرسميين، وبتكثيف العمل مع المجتمع المدني، تماشياً مع الاقتناع الجديد القائل إن الديبلوماسية الاميركية كانت مقصّرة في تعاملها مع المجتمع المدني واكتفت في العديد من الحالات بالعمل مع الاطراف الرسمية، الامر الذي لم يكن كافياً، إن لإدراك التغيرات الحاصلة في صلب المجتمع أو لتغيير صورة الولايات المتحدة لدى النخبة. وعلى الرغم من إدراكها لصعوبة المهمة نظراً الى مواقف النخبة التونسية، إلا أن مسؤولي "الميبي" سعوا الى اقامة حوارات مع رموز مؤثّرة في المجتمع التونسي، وخصصوا موارد مادية ودورات تدريبية لدعم برامج في مجالات أربعة هي الاقتصاد والتعليم والمرأة والحريات السياسية. وقد تجاوبت هيئات في قطاع الاقتصاد والتعليم والمرأة مع المبادرة، الا أن الصعوبة الأكبر كانت في مجال السياسة والحريات الذي يُعدّ المدخل الرئيس وفقاً للخطة الاميركية الجديدة.
كذلك، قامت تلك المكاتب بلفت نظر السلطات التونسية الى العديد من الحالات والتجاوزات في مجال حقوق الانسان. وتقول مصادر ديبلوماسية مطلعة أن الاميركيين قاموا بدور لافت في حل بعض القضايا الانسانية في تونس. واللافت للانتباه في هذا الدور الديبلوماسي الجديد أن الديبلوماسية الاميركية سعت تدريجاً الى الخروج من عباءة النظام التونسي عبر دعوة شخصيات وهيئات مدنية ترفض الحكومة التونسية الاعتراف بها، وكذلك بمناقشة قضايا تُعدّ محرّمة منذ سنوات في تونس، وفي مقدمها قضية الاسلام السياسي، والاسلاميون ودورهم في المجتمع وعلاقتهم بالديموقراطية. وهذه كلها قضايا تمنع الحكومة مناقشتها منذ نحو عشرين سنة.
كان من الطبيعي أن تهتم النخب التونسية بالسياسة الاميركية الجديدة وبمكتب "الميبي" على الرغم من اختلاف مواقفها بين الرفض المطلق، والريبة، والقبول المحتشم. فلم يكن المجتمع المدني التونسي موحداً على الاطلاق في تعامله مع المبادرة الاميركية المبشّرة بالاصلاح والديموقراطية، وأبرزت ردود فعل النخبة ممثلة بالهيئات المدنية جملة من المواقف يمكن أن نحصر أهمها بثلاثة. يتمثّل الموقف الاول في التصورات الاديولوجية الثابتة التي تهيمن على عدد من أفراد النخبة التونسية وتقوم على مبدأ العداء المطلق للسياسة الاميركية. وينبع هذا العداء الدائم من موقف الادارات الاميركية المتعاقبة من الصراع العربي – الاسرائيلي وانحيازها الدائم الى جانب اسرائيل. ولا يعتقد أصحاب هذا التصور أن أميركا يمكن أن تسعى الى تحقيق ديموقراطية في العالم العربي أو في تونس على وجه الخصوص مجاناً. أما الموقف الثاني السائد في تونس وخاصة في أوساط المدافعين عن حقوق الانسان، فيتمثّل في اعتبار ان السياسة الاميركية، يمكن أن تساعد بالفعل على دفع قضايا حقوق الانسان وملفات الاصلاح الديموقراطي خاصة، وان السلطات التونسية تخشى النقد الاميركي ولا تتعامل معه مثل أي نقد يأتي من دولة عادية أخرى. إلا أن هذا الموقف من جهة أخرى يرفض رفضاً قطعياً التمويل الاميركي.
ويتعلق الموقف الثالث بالمنظمات التي قبلت التمويل الاميركي وتُعدّ محدودة جداً في تونس مقارنة بدول عربية أخرى، وغالبيتها ينشط في مجالات تهم المرأة والتنمية، ولا ينشط بصفة مباشرة في مجال حقوق الانسان.
أما الحصيلة، فقد كانت محدودة. فالسلطات التونسية لم تستجب الى الآن بشكل جدي وواضح الى الدعوات الاميركية الرسمية وغير الرسمية عبر المنظمات غير الحكومية إجراء اصلاحات في مجال الحريات وحقوق الانسان بكل أشكالها خاصة في مجال الإعلام، والأحزاب السياسية والجمعيات، والأوضاع داخل السجون التونسية التي كانت محل نقد متواصل.
النيات الاميركية المعلنة والواقع
بعد سنوات من السياسة الاميركية الداعية الى الاصلاح الديموقراطي، وبعد ردود الفعل الرافضة في مجملها في الساحة التونسية وغيرها، يمكن القول إن الإدارة الاميركية استخلصت دروساً عدة عبّرت عنها من خلال مواقف مختلفة لمسؤوليها، تتمثل في النقاط التالية: التشديد على أنه ليس الاميركيون من سيحقق الديموقراطية سواء كان ذلك من طريق برنامج "الميبي" او غيره من البرامج المعلنة، بل إن الدور المجدي للمسؤولين الاميركيين هو حض الحكومة على الاصلاحات، ومساندة القوى المدنية التي تعمل بالفعل من اجل الديموقراطية.
ويرتبط هذا الاقتناع باقتناع آخر انبثق من الحساسية المفرطة للنخب التونسية تجاه السياسة الاميركية من القضايا العربية، فكان السعي الى تجاوز ذلك عبر الاستعانة بالمنظمات الاميركية غير الحكومية التي تقوم بدور مهم في رسم برامج اقليمية وتوظيف خبراتها على المستوى المحلي.
ويُعد ذلك التغيير في السياسة الاميركية محاولة لتجاوز العوائق التي تم استعراضها، وكذلك استجابة بطريقة غير مباشرة لنقاش مهم داخل النخبة التونسية محوره: "من يحقق الديموقراطية؟ هل هي القوى الخارجية أم القوى الداخلية؟ وأي علاقة تربطهما في العمل من أجل الديموقراطية؟". والتصور المشترك لدى كل من القوى المدنية والسياسية هو ان الديموقراطية تنبع من الداخل، وان الجميع يرفض التدخل الاجنبي في السياسات الداخلية. الا ان هذا الاقتناع المشترك لم يمحُ التمايز في التعاطي مع السياسات الجديدة، فالقوى المقربة من السلطة تغلق جميع ابواب التعامل وتعتبر أي تقارب مع القوى الاميركية رسمية كانت او غير حكومية هو استقواء بالأجنبي، في حين لا ترى مجموعات حقوق الانسان على وجه الخصوص أي مانع في التعامل المبني على أسس واضحة والمتعلق حصراً بقيم حقوق الانسان باعتبارها قميصا انسانية مشتركة بين البشرية جمعاء. ويرفض اصحاب هذا الرأي اتهام السلطة والهيئات المقربة منها لهم بالاستقواء بالأجنبي ويعتبرونه اسلوبا للتغطية على انتهاك الأولى لحقوق الانسان وخرقها المستمر للقوانين.
اذا كان بعض المسؤولين الاميركيين يرون ان كتب "الميبي" في تونس وسياسة الاصلاح الاميركية حققتا بعض المكاسب في السنوات الأخيرة على الرغم من تعثر الانطلاقة، إلا ان النخب التونسية خاصة المؤيدة لهذه السياسة ترى عكس ذلك، فتعتبر ان السياسة الاميركية اقتصرت في كثير من الحالات على تمويل المشاريع، مما خلق ظاهرة "زبائنية حقوق الانسان" خاصة في تمويل اطراف لم يُعرف عنها مسبقا دفاعها عن حقوق الانسان. ومن المفارقات في الساحة التونسية انه في الوقت الذي ترفض المنظمات غير الحكومية المستقلة التمويل، فقد حصلت عليه بعض المنظمات المقربة من السلطة.
في مقابل ذلك، استطاعت السلطات التونسية الحد من خطر انعكاسات السياسة الاصلاحية على نظامها، من خلال انخراطها في برنامج السياسة الدولية لمقاومة الارهاب. ومن هنا، شُرّع قانون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال العام 2003، وبالاحتكام اليه حوكم المئات من الشباب بأحكام قاسية لإقناع الادارة الاميركية وغيرها من الحلفاء الاوروبيين بخطر الارهاب الداهم على تونس، في مقابل ان يصمت هؤلاء على كثير من التجاوزات المتعلقة بالتعذيب، وملاحقة النشطاء الحقوقيين، ورفض الاعتراف بالأحزاب والجمعيات، واحتكار رخص المؤسسات الاعلامية.
وفي هذا السياق، نجحت السلطات التونسية في مراوغة الشريك الاميركي، مثلما نجحت في تسعينات القرن الماضي في اقناع الحليف الاوروبي بالخطر الاسلامي الداهم متذرعة بالمثال الجزائري، مما جعله يغض النظر عن كل التجاوزات التي وصلت الى حد الموت تحت التعذيب.
يضاف الى كل ذلك ان ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش لم تقدم المثال الصالح في مجال حقوق الانسان، فكان سهلا على الأنظمة القامعة لحقوق الانسان، ومن بينها النظام التونسي، ان تتذرع بخرقها لحقوق الانسان في العراق وغوانتانامو، وبممارسة التعذيب وانشاء السجون السرية وغيرها من الانتهاكات. يمكن القول إنه بين العوائق الايديولوجية في الساحة التونسية وتشدد السلطة من جهة، وازدواجية معايير السياسة الاميركية من جهة اخرى، لم تصل سياسة الاصلاح الديموقراطي الى نتائجها المعلنة والمرجوة، في انتظار ما ستسفر عنه سياسة الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما الذي ترى بعض النخب التونسية انه مغاير لسلفه في أصوله واقتناعاته السياسية، وفي ما أعلنه من وعود متعلقة بالديموقراطية والحريات.
"مركز كارنيغي للشرق الاوسط"
(صحافي وكاتب تونسي وناشط في مجال حقوق الانسان)
"النهار"






