إذا كانت الثقافة العربية الإسلامية تمتاز بالانفتاح وقبول للآخر، إلا أنها لا يمكن أن تذوب في مؤثرات العولمة، ولا في ثقافة أخرى مهيمنة، لأنها ثقافة ترتبط بحضارة كبرى، ولها هويتها الإسلامية ومسيرتها التاريخية الحافلة، ومساهمة شعوب عربية وغير عربية في صنعها، إلى جانب امتداداتها الجغرافية، وإنتاجها الإبداعي والعلمي، وبالتالي قد تتأثر قليلا، لكنه تأثير محدود، قد يتلاشى سريعا.
ونستحضر في هذا السياق نظرية «التخالف الثقافي» التي تشدد على الاختلافات الدائمة بين الثقافات، فكل ثقافة لها مكوناتها وخصوصيتها وفرادتها، ويصعب أن تتلاشى مع طغيان ثقافة العولمة أو طروحاتها، أو أن تخضع لأي عمليات أو تدفقات ثنائية متبادلة، متعددة ومتعدية، وهذا لا يعني عدم تأثرها بالغزو الفكري والثقافي بحكم ثورة الاتصالات، وإنما يعني أنها لا تتأثر بها كثيرا من ناحية الجوهر، دون المساس بالجوهر، والبنية العميقة للثقافة، بل تبدو هذه الثقافات مغلقة بصفة أساسية أمام السيرورات العالمية، وإنما أيضا أمام أي مؤثرات أخرى. فالثقافات في العالم أشبه بالفسيفساء، وهناك ثقافات منعزلة، لا تعنيها العولمة ولا تتأثر بالتغيرات الحادثة، مثلما هو الحال في المجتمعات الصغيرة والنائية والفقيرة، خاصة إذا كانت الثقافة بقناعات عقدية ودينية، فإنه يصعب تغييرها، وبذلك تبقى العولمة مجرد مظاهر خارجية أشبه بالفقاقيع على السطح الماء، قد تعكر صفوه، دون تأثير كبير فيه.
هذا النقاش الثري عن التأثيرات الثقافية يأخذ إلى النظر في موقف الرواية العربية من قضية عالمية الأدب، بكل أبعادها الإنسانية، وكيف يمكن تحقيق ذلك. فالرواية العالمية ترتبط بمفهوم عالمية الأدب، وقد تناولته المناهج النقدية المقارنة، كما يذكر الناقد إيتامبل في دراسة ضمن كتاب مراجعة الأدب العالمي (تحرير: أدريان مارينو، وترجمة: عبد النبي ذاكر) حيث يقرر أن المنهجيات النقدية الحديثة أفاضت في مناقشته، ورأت أنه في مفهومه يعني: التمثّل العالمي، والشهرة العالمية، والتلقي العالمي، والتداول العالمي؛ هذا على مستوى الكم، أما مستوى الكيف فهو يتصل بانتشار النوع، والمستوى، والقيمة، والمعايير، فالكيف يعني دينامية متزايدة غير محدودة، تنمو مع المكتسبات الجديدة، مهما كان موقعها في العالم، ومن البدهي أن يتم تجاوز البعد الأوروبي. فالمعيار العالمي يعني النظر إلى الجودة الأدبية، التي تجعل العمل مقروءا في لغات عدة بعد انتشاره، والسبب في ذلك يعود إلى الأجواء والأفكار التي يطرحها العمل من ناحية الفكرة والأحداث والشخصيات، وأيضا القدرة على التشويق من خلال بنية وأسلوب ماتعين. بغض النظر عن معيار المركزية الأوروبية الذي ينظر دونية إلى ما يسميه الناقد إيتامبل الآداب الصغرى، التي تحمل حقائق جمالية، تجعل من الحكم على هذه الآداب بالقصور والهامشية والتهميش والمألوفة بشكل ضئيل أو الأقل مألوفية، أو المعروفة بشكل قليل، فكلها أحكام لا تتصل بالجودة، وإنما بالكمية، وشتان بين الاثنين، فانتشار الآداب الأوروبية يعود إلى الحقبة الاستعمارية الكبرى إبان القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وقد واكبه انتشار آدابه وفنونه وقيمه في الحكم على الأعمال الفنية وتذوقها، فلما تُرجمت الآداب الصغرى، تفاجأ العالم بروعتها وفكرها العميق.
فالعالمية ترتبط بنوعية الأدب وما يطرحه من قيم أدبية رفيعة، أما ذيوع الرواية عالميا فيتأتى من خلال الترجمة النشيطة إلى لغات عدة، خاصة اللغات ذات الانتشار العالمي مثل اللغة الإنكليزية والفرنسية، مع حملات الدعاية والتسويق. وبالتالي يكون السؤال: ماذا عن علاقة الثقافة العربية وآدابها بالآخر؟ والمقصود بالآخر هنا هو الغرب الأوروبي بكل ثقافته الاستعلائية، التي تتمتع بمركزية عالمية، جعلت جميع الثقافات ترنو إليها تقربا، ومقارنة، ومقياسا عليها.
عندما يتباهى بعض الروائيين بأنهم يكتبون أعمالهم بلغة أجنبية أولا، ثم تترجم إلى العربية بأيديهم أو أيدي غيرهم، أو يفتخرون بأن أعمالهم تُرجمت ونشرت في الغرب، ويظنون أن هذا معيار للعالمية، وللشهرة والانتشار والذيوع، ويتعالون على الروائيين الذين لم يظفروا بمثل هذا الشرف.
وتلك إشكالية نرى أنها نفسية، وهي التي يبسطها عبد السلام بنعبد العالي، حيث يرى أننا لسنا في حاجة إلى برهان كي نؤكد أن علاقة القوة التي تربط الثقافة العربية الآن مع غيرها من الثقافات، وتربط اللغة العربية بالنصوص التي تتعامل معها؛ علاقة مخالفة لهذه، إن لم نقل مناقضة، بل إن لم نقل مقلوبة، فنحن لا نشعر بأننا نرقى بالنص عندما ننقله إلى العربية ونزيده جمالا، بل إننا نحس- على العكس من ذلك- بأننا نرقى بالنصوص العربية عندما نترجمها، أو نكتبها بلغة أجنبية، ثم نترجمها إلى العربية.
هنا يغدو المرور عبر لغة الآخر هو الطريق المضمون الموصل (إلى الشهرة) بل إلى القارئ العربي يكون عبر لغة أخرى، معنى ذلك أن المعني بالنص، حتى عندما يكتب بلغة أجنبية؛ هو دوما القارئ العربي، فكأن المثقف العربي لا يتكلم لغته إلا عبر لغة أخرى، ولا يعترف بذاته إلا إذا اعترف به الآخر. فلم تعد الثقافة العربية تدرك ذاتها إلا في مرآة الآخر، وإدراك الآخر لها، فهي لا تعيش التثاقف بوصفه تفاعلا فكريا، وإنما بوصفه أسلوب عيش ونمط حياة، ووجود. والكارثة أن القارئ العربي لا يقرأ النص العربي إلا بربطه مع نصوص الآخر، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، فإذا قرأ حي بن يقظان يبحث عن روبنسون كروزو، وفي المقدمة لابن خلدون يبحث عن أوجست كونت، واللزوميات يربطها بشوبنهاور، ورسالة الغفران يتقصى بها دانتي. يضع بنعبد العالي الآخر في مواجهة الثقافة العربية، ويشير إلى واقع عشناه في العصر الحديث، وما زلنا نعيشه، ويتلخص في أننا نفتخر عندما يشيد أحد المستشرقين الأوروبيين ببعض الكتب التراثية أو المعاصرة، وتمتد الظاهرة وتتسع حتى باتت موضع فخر لأي نص يُترجَم إلى اللغات الغربية تحديدا، وهو جزء من عملية الاستلاب الحضاري الذي يرتبط بالاستعمار الغربي منذ قرون، ونشره ثقافته الاستعلائية، ووجود نخبة عربية متغربة، تتباهى بثقافته، وتروّج لها، وترى أن نهضتنا لا بد أن تبدأ منها، وتمتاح منها، وتنظر دونية إلى ثقافتنا العربية.
والأمر ينصرف أيضا إلى الرواية العربية، عندما يتباهى بعض الروائيين بأنهم يكتبون أعمالهم بلغة أجنبية أولا، ثم تترجم إلى العربية بأيديهم أو أيدي غيرهم، أو يفتخرون بأن أعمالهم تُرجمت ونشرت في الغرب، ويظنون أن هذا معيار للعالمية، وللشهرة والانتشار والذيوع، ويتعالون على الروائيين الذين لم يظفروا بمثل هذا الشرف. وطبعا الأمر كله في دائرة الصراع النفسي داخل واقعنا الثقافي الحديث، والآخر لا يعنيه الأمر من قريب أو بعيد.
ولأنها مشكلة حضارية نفسية تخصنا، فإن الحل يكون عندنا، «فلا يمكن أن نؤسس لثقافة عربية إلا بتوليد الآخر بوصفه آخر، بل (لا بد من) التحرر كذلك من الرغبة في التحول إلى أصل، والتخلي عن افتراض أي مفهوم مطلق عن الخصوصية في الميدان الثقافي. فالمتاح الآن لأي ثقافة ليس خصوصية مميِّزة أو مميَّزة، وإنما كيفيات خاصة، وطرق نوعية للإسهام في الثقافة الكونية. فلا سبيل أمامنا إلا الاعتزاز بثقافتنا، والتمسك بهويتها، والنظر إليها على أنها أصل ننطلق منه، ونطلع على ثقافة الآخر رغبةً في إثراء ثقافتنا، والنظر إلى الآخر على أنه آخر، بكل ندية وتواصل، وانفتاح عليه، وافتخار بما عندنا.
كاتب مصري
“القدس العربي”
























