[ الكتاب: الحداثة الفلسفية، نصوص مختارة
[ إعداد وترجمة: محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي
[ الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت 2009.
بيَن آل التريكي في"فلسفة الحداثة" استنادهذه الأخيرة في الفلسفة الى نقاط ثلاث: أولاً، نظرة الذات العاقلة الى نفسها وتحديد ذاتها من خلال عملها التفكيري المتواصل وتحويل الذوات الأخرى الى موضوعات يتسلط عليها العقل العلمي.ثانياً، إرساء قواعد للخطاب ومعايير تصبو الى الابتعاد عن الذاتية لتأسيس القول العلمي، ولكنها ترتبط في نهاية الأمر بمختلف تمظهرات السلطة وآلياتها ومؤسساتها. وثالثاً، الإستناد الى العقل في عملية إقصائه للخيال واللامتجانس واللامعقول.
والكتاب الذي وضعه الباحثان المغربيان محاولة لنقل مفاهيم الحداثة الفلسفية ومصطلحاتها الى العربية في سبيل تحقيق"إلفة" وتفاعل بين المشتغلين بالفلسفة والنصوص الكبرى، ولهذا الغرض ينتقيان متون أملتها ضرورات تعليمية ومسارات تربوية. لذا، من البديهي أن يدور الفصل الأول حول"العلم والعقلانية" وأن يُفتتح بديكارت وقواعد منهجه الأربعة، وأن يكون للوضعية نصيبها مع أوغست كونت، واضع قانون المراحل الثلاث، والذي حددها في"الواقع والمنفعة" وحملت أيضاً سمات"اليقين والدقة" مثابة ميزة العقل الحديث عن القديم، كما أن الفكر الوضعي ميل نحو الربط والانتظام منفصلاً عن الفكر الميتافيزيقي.
يحدد غاستون باشلار في بحثه عن فلسفة للعلوم قسمات الروح العلمي التي تكشف عن الشروط الذاتية و الموضوعية"التي تؤدي فيها مبادئ عامة الى نتائج خاصة وتقلبات متنوعة". وهو يدعو الى التمييز بين المعرفة العادية والمعرفة العلمية، تلك التي تصوغ مسائلها في أسئلة، اذ" لا شيء مُعطى، كل شيء منشأ"، كما يقول باشلار في"تشكيل العقل العلمي". ويبدو بحسب جون راندال في"تشكيل العقل الحديث" أن الافكار التي تألفت منها الثورة العلمية الكونية تحدرت من الثورة البيولوجية في القرن التاسع عشر والثورة الفيزيائية في القرن العشرين المنصرم، وتشدد الاثنتان على العامل الانساني وقدرته على التعامل مع بيئته ومحيطه الطبيعي.
والحال، وباعتبار الارتباط الذي أقامه ج.لوكاتش بين الحدس والمذهب اللاعقلي فأن للعقل مكانته في ملكوت الفكر العلمي مثابة اطار للظواهر بحيث يتوافق مع ما سميَ العقل المؤسس، أي"النشاط الملازم لمسار البحث العلمي" بخلاف العقل المتأسس في لحظة محددة من التاريخ بمعنى"منظومة القواعد المتبناة والتي تنسب اليها قيمة مطلقة"، وقد اندثر هذا الأخير لمصلحة الأول.
في الفصل الثاني"الانثروبولوجيا والنزعة الانسانية" يرسم ليفي ستروس معالم النماذج البنيوية ويرى الى الأسباب اللاشعورية للاعتقادات والممارسات الاجتماعية بما فيها الظواهر الثقافية كجزء من عمل الباحث الاثنولوجي لفهم تصورات الناس عن العالم وعن بعضهم البعض.ومن المهم هنا تلمس السيَاق الفكري لنشأة البنيوية وعلاقتها بالماركسية وكذلك الأساس الاجتماعي لها. ومن ثم النزعة الانسانية التي برزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وباتت مقرونة بالجهد"المبذول من أجل الرفع من الكرامة الأنسانية واعطائها قيمة"،الى الأسس الفلسفية التي قامت عليها. وكان لهايدغر نظرته الخاصة لها في ضوء رؤيته للوجود، فقال في"رسالة حول الانسانوية""إن التفكير في حقيقة الوجود، هو في الوقت ذاته، تفكير في انسانية الانسان في خدمة حقيقة الوجود…".
في الفصل الثالث "الايديولوجيا والمتخيل" عرض للفكروية وبنيتها وعلاقتها بالعلوم الاخرى مثل التحليل النفسي، ووجوه صلتها بالمتخيل واليوتوبيا. وبسط للمتخيل الاجتماعي عند فرويد وتجلياته الثلاثة كما رآها "لابلانتين"، أي: المهدوية والجذبة (سلوكات وجدانية متطرفة تلاحظ في التجمعات الاحتفالية) واليوتوبيا. الى مكانة الرمزي في حياة الانسان ودوره، حيث يمكن تعريف هذا الأخير لا على أنه "حيوان ناطق أو عاقل" فحسب بل انه "حيوان ذو رموز".
في الفصل الرابع "اللاشعور" نصوص لفرويد حول الجهاز النفسي والخصائص الرئيسية للأنا، والدوافع التي تحرك الفرد والتعبيرات ولا سيما الأحلام وكيفية تفسيرها وأهمية الحياة الجنسية. ولجاك لاكان مساهمته في إثراء التحليل النفسي من زاوية بنيوية، وهو القائل بإن "الشرط اللازم والكافي لإمكانية التحليل النفسي هو أن يشكل اللاشعور بنية مثل اللغة".
في الفصل الخامس "مجتمع وتاريخ" تركيز على العقد الاجتماعي كما صاغه روسو، وعلى مفاهيم القوة والعدالة وتكون الارادة العامة، والاضاءة على رؤية هيغل لجدلية السيد والعبد ونظرته الى العقل في التاريخ. وثمة اهتمام بالمجتمع التقليدي والتحولات التي جعلت منه مجتمعاً استهلاكياً، على علاقة السياسة بالعنف. وثمة نصوص تتتبع نشوء الحداثة (وبالتالي العصر الحديث) وتستجلي منطقها وصلتها بالرأسمالية وبالتقنية موضوع نقد هايدغر الذي لم يرى فيها إلا "ميتافيزيقا للهيمنة".
في الفصل السادس "الفلسفة: تاريخها وتأريخها" تناول لولادة الفلسفة اليونانية انطلاقاً من ظهور المدينة (La polis) كما رآها المتخصص في اليونانيات جان بيار فرنان، وارتباطها كذلك بالأسطورة. وهناك بالتأكيد نظرات مختلفة الى تاريخ الفلسفة (فقد رفض لويس التوسير على سبيل المثال أن يمنحها تاريخاً فهي برأيه تكرار للاشيء) والى صلة هذه الأخيرة بالعلوم والموضوعات واجب الاشتغال بها. ونظراً الى كون صناعها بشر من لحم ودم، فان لهم مواقف متباينة ومناهج تصل الى حد التعارض التام من الكون والوجود بعامة. بيد أن كل فلسفة خضعت لمنطق الضرورة وظهرت "في الوقت الذي كان يجب أن تظهر فيه، وليست هناك فلسفة تعدت الوقت الذي كان عليها أن تظهر فيه" كما يقول هيغل.
مراجعة: عفيف عثمان
"المستقبل"




















