[ الكتاب: من ديوان السياسة
[ الكاتب: عبدالله العروي
[ الناشر: المركز الثقافي العربي، بيروت 2009
يقول عبدالله العروي ان كتابه "من ديوان السياسة" جاء بعد ان طلب منه احد الصحافيين المعروفين ان يحاوره عن الوضع السياسي الراهن، وعن الحكومة والأحزاب واليسار والدين.. الخ، ولكن لأن ما يعني الصحافي هو الجواب لا المرجعيات، الخلاصة لا المقدمات، فان العروي فضل ان يحاور نفسه ويجيب على هذه الأسئلة بعد فحص وتأمل وحسب تسلسل المنطق والتاريخ.
يبني العروي كتابه على نموذج المعاجم التعريفية، حيث يكتب المصطلح او المفردة اللغوية ويعالجها من وجهة نظره، ولكن هذه البنية لا تجعل التعريفات غير مترابطة كما هي الحال بل على العكس، ان المصطلحات التي يعالجها، هي تلك التي تخدمه في عرض وجهة نظره، وبالتالي فهي مصطلحات ومفردات منتقاة لعرض وجهة نظره في السياسة، وفي السياسة المغربية بشكل خاص. كما تغطيه هذه البنية ميزة ان يتطرق لمصطلحات. تبدو بالمعنى المنهجي خارج اطار معالجته، لو كانت بنية الكتاب تقليدية تعالج موضوع بعينه، لكنها بالمعنى الوظيفي داخل هذه المعالجة. من جهة اخرى تأتي وجهة نظره المعروضة في هذا الكتاب. كخلاصة لتجربته الفكرية الطويلة، والتي قدم فيها الى المكتبة العربية خلال مسيرة تتجاوز الأربعة عقود. العديد من الاعمال الفكرية التي اسست لاتجاه عقلاني تاريخاني في الفكر العربي. منذ كتابه "الايديولوجيا العربية والمعاصرة" و"العرب والفكر التاريخي" مروراً بمجموعة كتبه عن مفاهيم الحرية والدولة والايديولوجيا والعقل، وصولاً الى آخر كتبه "الاصلاح والسنة" والكتاب الذي نعرضه في هذه الأسطر.
من "الخاص والعام" يبدأ العروي رحلته التأملية والخاص والعام هو ما يشغله في كل صفحات الكتاب، عام السياسة، خاص السياسة المغربية، فهو يناقش التعريف المتداول والذي يقول: "الانسان حيوان ناطق" وحسب العروي يبدو التعريف جامعاً مانعاًَ ولكن عند التدقيق يبدو متداخلاً وربما متناقضاًُ. ويسأل: هل النطق يغير ان لم ينف الصفة الحيوانية؟ ام بالأحرى هل الحيوانية تخضع النطق لاغراضها. يجيب: بالنطق يكسب الانسان اداة جديدة متطورة لكنه يظل حيواناً.
يعتبر العروي، ان العنف يزرع الرعب والرعب يؤدي الى الخضوع والانقياد. هناك علاقة عضوية قائمة ودائمة. بين الخوف والاستبداد. وليس في حقل السياسة علاقة أوثق من هذه. الاستبداد هو السياسة بدون قناع والخوف هو اول نزعة نفسانية. الاستبداد يمثل لب السياسة الى حد انه ينفيها. وحسب العروي يصح القول ان الثنائي الخوف/ الاستبداد هو المستوى الاصلي. الأولي للسياسة.
في تحليله لمسارات السياسة يعتبر العروي، ان البيت و"الأم" وتربيتها بشكل خاص اثراً تأثيراً كبيراً في مسارات السياسة ومآلاتها. وحسب اعتقاده تتلخص الاسرة اليوم في الأم الحاضرة باستمرار في حين ان الاب غائب لدواع كثيرة. وتربية الام في تربية الولد المرضع. انها حلقة وصل بين الطبيعة والمجتمع. بقدر ماهي قريبة من الطبيعة بقدر ما ترسخ في ولدها النوازع الطبيعية: الولاء الطمع، الخوف.. الخ. وهو يشتق منه مصطلح "الامية" نسبة الى الام وليس نسبة الى الجهل. ويأتي التعليم النظامي في اطار الاستمرارية لتربية الام، ويكون هة "تدوين" للغة الام، وهو ما يمنع الانتقال من الطبيعة الى المجتمع طالما بقي الانسان في هذا الطور الامومي وطالما بقي ملتصقاً بالطبيعة، والامي هو من لا يزال في حضن أمه يتكلم لهجتها، يتصف بصفاتها، يتوخى اغراضها، يعمل على ارضائها يعيش في حماها ولا يتعدى افق حياتها حتى عندما يهاجر بعيداً عنها. وهذه الامية ترتفع لا باتقان الكتابة والقراء ولا بحفظ مقولات عن الكون والانسان والماضي، بل عندما يستقل المرء بذاته ويرى فيها المادة التي يشيد بها الكيان السياسي.
في معالجته لمفهوم الدولة "الاسلامية" يخلص العروي الى ان الماوردي هو فقيه توصل تلقائياً الى رسم صورة لا تختلف كثيراً عما يستخرج منطقياً مفهوم الدولة، وما يخص هذه الدولة ليس كونها "اسلامية" بل كونها نشأت في زمن معين وفي منطقة معينة، ويعتبر ان الماوردي استهدف بالضبط اضفاء صبغة شرعية على الدولة القائمة من خلال التسمية.
رغم ان العروي يعتبر، لا تكون النظرية السياسية سياسة والسياسة ممارسة ليس الا، وما قد يستنتج عن النظرية من سلوك ليس سياسة كما ان التكتيك المستوحى من الاستراتيجية ليس تكتيكاً سياسياً. فانه ينظر في الديموقراطية التي هي النظر في الحرية وشروطها، الثقافة وشروطها الهمة البشرية وشروطها ويعتبر كل ذلك ما زال يلح علينا.
اذا كانت الامية متفشية والتعليم النظامي ووسائل الاعلام والنشاط العمومي. كل ذلك لا يفعل سوى اعادة انتاج الموروث يسأل العروي: ما العمل اذن؟ كيف الخروج من الحلقة المفرغة؟ كيف يتم الفطام وتتحقق النقلة المرجوة؟ بل ما جدوى التأويل الديموقراطي؟ أو ليس التاويل السلفي دائماً الاقوى لانه يملك في ذاته وسائل "التجديد" اذ التجديد لديه احياء القديم؟
يعتبر العروي انه اذا كان امل في تحقيق تجديد صحيح، فهو معقود اليوم على: – اعتماد الديموقراطية المحلية اذ يبدو خياراً لا مفر منه لتفادي التمزق والفوضى التعرض للمنافسة الدولية في اطار عولمة الاقتصاد. واضح اليوم ان لا أحد يستطيع ان يكتفي بما يكتفي بما تنتج تطور الاحزاب السياسية تنشيط ما يسمى بالمجتمع المدني.
يعتبرالعروي ان الدول الديموقراطية تمارس السياسة كثيراً وتتكلم عنها قليلاً. الحاصل عندنا هو العكس فعندنا الخبر لا يتصور ان يكون غير سياسي. لا غرابة اذن ان نسيس الدين اكثر مما "ندين" السياسية. السبب انه لم يحصل عندنا الفطام الضروري من الغريزة الى العقل، من الاتباع الى الاستقلال من التوكل الى الهمة، من المبايعة الى المواطنة.
ويصيب العروي عندما يقول: التأويل الديموقراطي هو بالاساس تحرير السياسة، انقاذها من كل ما ليس منها أكان اعلى أو أبخس قيمة منها: فصلها عن كل منطق لا يناسبها.
مراجعة: سمير الزبن
"المستقبل"




















