التكليف الثاني بين سقفين متصلبين و"اقتحام" العوامل الإقليمية
مع أنه الاسبوع الثاني عشر لأزمة حكومية مرشحة لان تبلغ مراتب قياسية في سجل الأزمات الحكومية في لبنان، فإن عداً عكسياً جديداً يبدأ اليوم لمرحلة التكليف الثاني المعقود اللواء لرئيس "تكتل لبنان أولاً" النائب سعد الحريري بعد اعتذاره الاسبوع الماضي ليطوي الصفحة الاولى من هذه الأزمة.
وعشية الاستشارات النيابية التي سيجريها رئيس الجمهورية ميشال سليمان الثلثاء والاربعاء في قصر بعبدا لتسمية الرئيس المكلّف، رسمت أوساط معنية بالاتصالات السياسية التمهيدية للاستحقاق الجديد صورة بالغة التعقيد بوجهيها الداخلي والخارجي لمرحلة التكليف الثاني، فقالت ل"النهار" ان أسوأ ما نجم عن الاخفاق في تأليف الحكومة في المرحلة السابقة هو اقحام هذا الاستحقاق في مجموعة تعقيدات إقليمية كان يمكن تجنبها او على الاقل تحييد لبنان عنها لو لم تعتمد العرقلة المقصودة بغية ربط لبنان بهذه التعقيدات. ولاحظت ان الاثر السلبي الاول والمباشر لهذه العرقلة ستبرز مع توجه رئيس الجمهورية الاسبوع المقبل الى نيويورك لإلقاء كلمة لبنان امام الجمعية العمومية للامم المتحدة وهو مثقل أمام المجتمع الدولي بخلفية الأزمة الحكومية والسياسية المفتوحة. ولفتت الى مفارقة أخرى تكتسب دلالة، هي الزيارة الخاطفة التي سيقوم بها المبعوث الاميركي الخاص الى الشرق الاوسط جورج ميتشل لبيروت الاربعاء والتي تتزامن مع اليوم الثاني من الاستشارات الرئاسية. ومع ان ملف ميتشل محصور بعملية السلام في المنطقة، فإن زيارته لبيروت ستتخذ بعداً آخر متصلاً بنظرة واشنطن وتقويمها لتطورات الأزمة الحكومية مع ما يمكن ان تثيره هذه الزيارة من ردود فعل إقليمية وداخلية تبعاً لمواقع المتصارعين عبر لبنان وفيه حيال الولايات المتحدة.
اما على الصعيد الداخلي، فقالت الاوساط نفسها ان المواقف التي تعاقب عليها فريقا النزاع منذ اعلان الحريري اعتذاره رسّخت الانطباع ان مرحلة التكليف الثاني ستنطلق هذه المرة على ارضية "متاريس سياسية" متصلبة، خصوصاً ان فريق المعارضة استدرج حكماً فريق الغالبية الى تصلب مماثل، بدأت ملامحه تظهر تدريجاً في مواقف الحريري نفسه. فاذا كانت المعارضة تطل على التكليف الثاني للحريري من سقف التشبث بالشروط والمطالب عينها التي ادت الى اعتذاره، فان الغالبية تبدو مقبلة عى رسم سقف متصلب مماثل وطرحه على الرئيس المكلف، وهذه المرة باقتناعه، بما يجعل من الصعوبة بمكان التكهن بالمدى الذي ستبلغه الازمة والسبل الممكنة لاحتوائها. واشارت في هذا السياق الى ان ما يردده بعض القوى في المعارضة عن احتمال عقد مؤتمر "الدوحة 2" لا يبدو واقعياً، أو على الأقل يكتسب طابعاً دعائياً مستعجلاً نظراً الى عدم استعداد قوى الغالبية على الاقل لمماشاة اي طرح في شأن اي مؤتمر خارجي وتشبثها بان يكون بت الازمة عبر المؤسسات اللبنانية وفي مقدمها رئاسة الجمهورية".
وافادت مصادر بارزة في قوى 14 آذار "النهار" ان هذه القوى لم تعد تنظر الى عملية تأليف الحكومة باعتبارها مسألة استهداف لنتائج الانتخابات فحسب بل انها ستقبل على مرحلة التكليف الثاني من منطلق منع المحاولة المكشوفة لاسقاط لبننة هذا الاستحقاق واعادة ربطه كما كل القضايا المصيرية اللبنانية بدول اقليمية تريد التحكم بالوضع اللبناني في مقايضاتها الدولية. وفي ضوء ذلك، قالت ان اعتذار الحريري شكل الخطوة الاولى في التصدي لهذه المحاولة وسيكون التكليف الثاني مع ما يتبعه من تحركات وسياسات ستتفق عليها الغالبية الخطوة المكملة من غير ان يعني ذلك اقفال الباب على اي انفتاح حيال المعارضة اذا لاح بريق يشير الى اعادتها النظر في سياسة العرقلة. ولذلك فان اصواتاً عدة صدرت عن الغالبية مؤكدة عدم اسقاط صيغة 15 – 10 – 5 باعتبار ان هذه الصيغة لم تكن مرة موضع اعتراض لدى الغالبية، لكن الامر سيختلف حكماً حيال كل المسائل الاخرى المتعلقة بتأليف الحكومة.
وفي هذا السياق برز موقف للحريري مساء امس استبق فيه الاستشارات بقوله انه "من يريد ان يسمي سعد الحريري فليفعل ومن لا يريد ان يسميه فليفعل وسأتعامل معه كما تصرف معي بعدم تسميتي". واضاف: "علينا الا نختبئ وراء اصابعنا بعد الآن، فنحن جميعا موجودون في هذا البلد وعندها اقرر اذا كنت اقبل التكليف ام لا". ودعا "المناورين ان يكونوا واضحين (…) واذا كانوا لا يريدون سعد الحريري عليهم ان يتحلوا بالشجاعة ويقولوا من يريدون". وختم: "كفى مناورات وتدخلات اذا كانوا يريدون حكومة، في استطاعتنا ان نشكل الحكومة في غضون 48 ساعة، ولا داعي للعناد من احد، لا نحن ولا غيرنا".
اما بالنسبة الى مواقف القوى السياسية من التكليف الثاني، فقد بات في حكم المؤكد ان الحريري سيستعيد تسميته رئيسا مكلفا بمجموع 86 نائبا، هم انفسهم سموه في استشارات 26 و27 حزيران الماضي، بينهم 71 نائبا من الغالبية، الى نواب "كتلة التنمية والتحرير" برئاسة الرئيس نبيه بري ونائبين من حزب الطاشناق.
ويتوقع ان يعقد "تكتل لبنان اولا" اجتماعا في الثانية بعد ظهر اليوم في قريطم لاعلان تسمية الحريري. كما تعقد "كتلة التنمية والتحرير" اجتماعا برئاسة بري في عين التينة لاعلان موقفها. وقالت مصادر في الكتلة انها ستسمي الحريري مقترنا بشرطين هما تشكيل حكومة وحدة وطنية والتمسك بصيغة 15 – 10 -5، علما ان هذين الشرطين يلتقيان مع موقف رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط.
اما "تكتل التغيير والاصلاح" برئاسة العماد ميشال عون و"كتلة الوفاء للمقاومة"، فلن يسميا احدا.
وفي جانب آخر من الازمة الحكومية، لفتت مصادر نيابية بارزة الى الانعكاسات السلبية التي رتبتها هذه "الازمة على انطلاقة مجلس النواب وتعطيله".
وقالت ل"النهار" ان التأخير في انتخاب اللجان النيابية مرشح للتمدد الى ما بعد منتصف الشهر المقبل، اذ ان الدورة العادية الاولى للمجلس تبدأ في اول ثلثاء بعد 15 تشرين الأول اي يوم 20 منه. وانتخاب اللجان في هذه الجلسة هو امر حكمي سواء أتالفت حكومة ام لم تتألف. كذلك لفتت الى ان موازنة 2010 باتت مهددة بمصير مماثل لاربع موازنات سابقة.




















