توج اللقاء على مستوى القمة بين دمشق وأنقرة بإعلان إقامة مجلس للتعاون الإستراتيجي بين البلدين، وإلغاء تأشيرات الدخول بين سورية وتركيا، ما اعتبر هدية متبادلة بين الشعبين قبيل عيد الفطر السعيد.
وبعد محادثات بين الرئيس بشار الأسد ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في اسطنبول تركزت حول العلاقات بين البلدين، وقع وزير الخارجية وليد المعلم ونظيره التركي داوود أوغلو الإعلان المشترك لتأسيس مجلس تعاون إستراتيجي عالي المستوى.
وفي حين تحفظ المعلم على تعليق آمال كبيرة على الاجتماع المرتقب له مع وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري اليوم الخميس، أبدى أوغلو تفاؤله بنجاح الاجتماع، رغم أن تقارير إعلامية أشارت إلى احتمال إلغاء اللقاء بين وزيري خارجية سورية والعراق.
ووقع المعلم وأوغلو الإعلان المشترك لتأسيس مجلس تعاون إستراتيجي عالي المستوى، ويشمل المجلس التعاون في المجالات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والنقل والطاقة ومجالات المصادر المائية والبيئية والثقافة والتعليم والعلم إضافة إلى التعاون في مجال السمات، ويرأس المجلس رئيسا الوزراء في البلدين ويضم الوزراء المعنيين بالشؤون الخارجية والطاقة والتجارة والاستثمار والدفاع والشؤون الداخلية والموارد المائية والنقل ويجتمع مرة على الأقل كل عام بالتناوب.
على حين سيعقد الوزراء المعنيون اجتماعات دورية مرتين على الأقل في العام لوضع خطط مشتركة ليصار إلى مناقشتها في المجلس المشترك الذي يتوقع أن يعقد أول اجتماع له في هذه السنة.
وفي مؤتمر صحفي عقب التوقيع، اعتبر أوغلو هذا الإعلان دليلاً واضحاً على مستوى العلاقات بين البلدين التي وصفها بأنها «مثال يُحتذى به على مستوى المنطقة والعالم»، معتبراً المجلس المرتقب «هدية للأجيال القادمة».
بدوره أكد المعلم أن الإعلان عن المجلس مؤشر ثقة بين البلدين، ودليل على أن العلاقات بين أنقرة ودمشق ستصبح أكثر متانة في المجالات كافة إضافة إلى العمل على مضاعفة حجم التبادل التجاري، والتعاون بمجالات الطاقة والغاز والمياه وغيرها.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات الاقتصادية تطوراً ملحوظاً وارتفع حجم التبادل الاقتصادي بين سورية وتركيا ليصل إلى نحو ملياري دولار سنوياً، كما أن هناك العديد من الاتفاقيات المشتركة في مجالات الملاحة البحرية والطيران والطاقة والنقل والأسواق المالية والسياحة والصناعة، إضافة إلى مجلس الشراكة السوري التركي المنبثق عن اتفاقية منطقة التجارة الحرة التي دخلت حيز التطبيق مطلع عام 2007.
وعن إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين نوه داوود أوغلو أن الشعبين التركي والسوري عاشا الواحد مع الآخر عبر التاريخ، على حين أشار المعلم إلى أن إلغاء التأشيرات سيجعل مواطني البلدين يعبرون الحدود كأنهما بلد واحد.
وهناك كثير من علاقات القربى على الشريط الحدودي بين سورية وتركيا، ومن المتوقع أن تشهد أيام العيد دخول 23 ألف سوري إلى تركيا، على حين يبلغ عدد السياح الأتراك الذين يزورون سورية كل عام نحو 120 ألف زائر.
ويأتي اللقاء السوري التركي في وقت تشهد فيه العلاقات السورية العراقية توتراً متزايداً تحاول تركيا لعب دور الوسيط لإنهائه.
وفي هذا الصدد قال داوود أوغلو: إن تركيا تسعى لبناء حوار بين الجارتين سورية والعراق وستواصل بذل جهودها.
ومن المقرر أن يجتمع وزيرا خارجية العراق وسورية في إسطنبول اليوم الخميس لحل الخلاف الناجم عن هجمات استهدفت وزارات عراقية الشهر الماضي اتهمت بغداد دمشق بإيواء منفذيها، ومن المفترض أن يستكمل اجتماع اليوم محادثات تمهيدية عقدها مسؤولون عراقيون وسوريون في أنقرة الثلاثاء، وتركزت «حول قضايا استخباراتية على المستوى الفني»، حسب مسؤولين أتراك، إلا أن وكالة «أسوشيتيد برس» للأنباء نقلت عن مسؤول عراقي قوله: إن المباحثات الأمنية التي جرت مع مسؤولين سوريين في أنقرة الثلاثاء فشلت «إثر رفض سورية الموافقة على تسلم لائحة تضم أسماء أشخاص تطالب الحكومة العراقية بترحيلهم» كما نقلت الوكالة عن الناطق باسم الحكومة العراقية علي الدباغ أن المباحثات الأمنية بين البلدين لن تعقد من جديد مشيراً إلى احتمال إلغاء مباحثات اليوم بين وزيري خارجية البلدين.
ورداً على ذلك قال المعلم: «نحن في سورية جاهزون للاستجابة للجهود التركية وجامعة الدول العربية وسنحضر اجتماع يوم الخميس، إلا إذا رغب الجانب العراقي في عدم الحضور فعندها سنستمتع بجمال اسطنبول».
أما داوود أوغلو فأبدى تفاؤلاً أكبر معتبراً أن اجتماع اليوم تم التحضير له في القاهرة، وأن الاتصالات بين الدول الثلاث استمرت على مستويات معينة خلال هذه المدة، معبراً عن ثقته بأن «الاجتماع سينتهي بنجاح».
وعن مصير المجلس الإستراتيجي العراقي السوري الذي أعلن في دمشق الشهر الماضي، قبل يومين فقط من اشتعال الأزمة بين البلدين، أكد المعلم أن سورية تلتزم بما تم التوافق عليه، وأضاف: «نحن وقعنا على المجلس الإستراتيجي مع العراق وملتزمون به»، مشيراً إلى أن «بعض الزعماء العراقيين اعتبر اتهام سورية جاء ممن لا يرغب في هذا التعاون»، معرباً عن أمله ألا تكون هذه الأنباء صحيحة، «لأن المجلس هو مصلحة مشتركة للشعبين قبل أي شيء آخر».
أما عن مصير مشروع البحار الأربعة الذي أطلقته دمشق قبل فترة لتشكيل إقليم اقتصادي يضم سورية، والعراق، وتركيا، وإيران، في ظل التوتر القائم مع العراق، فقد اكتفى المعلم بالقول: «البحار حقيقة جغرافية قائمة أما البشر فزائلون»، في إشارة إلى أن الحقائق التاريخية والجغرافية تبقى وتفرض نفسها على حين أن الحكومات تتغير.
ومن المقرر أن يشهد العراق بداية العام القادم انتخابات نيابية، وذهب كثير من التحليلات إلى اعتبار الأزمة المفتعلة من حكومة المالكي باتجاه سورية إنما مردها أهداف داخلية تتعلق بهذه الانتخابات.
المؤتمر الصحفي للمعلم وداوود أوغلو ركز أيضاً على محور ثالث هو مسار السلام في المنطقة وخاصة أن زيارة الرئيس الأسد إلى اسطنبول تأتي في ظل تعثر محادثات السلام مع إسرائيل على المسارين الفلسطيني والسوري.
وبهذا الشأن نقل المعلم عن الرئيس الأسد أنه عبر في لقائه الأخير مع أردوغان عن تمسك سورية بالدور التركي في استئناف محادثات السلام غير المباشرة، مشيراً إلى أن سورية كانت ومازالت مقتنعة بعدم وجود شريك إسرائيلي.
من جهته قال داوود أوغلو: إن سورية أبدت استعدادها للعودة إلى المفاوضات غير المباشرة، مشيراً إلى أنها في الجولات الأخيرة أظهرت إرادة للسلام، وأنه تم قطع شوط جدي بالمفاوضات غير المباشرة، لكنه (داوود أوغلو) أشار أن ما أوقف هذه المحادثات كان موت آلاف الفلسطينيين في غزة، إضافة إلى تغير الإدارة في إسرائيل.
ولعبت تركيا دوراً كبيراً في المحادثات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل من خلال رعايتها لتلك المحادثات التي بدأت في أيار العام الماضي، قبل أن تعلقها دمشق من جانب واحد نهاية كانون الأول الماضي بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة، وذلك بعد إجراء 4 جولات من تلك المحادثات في مدينة اسطنبول التركية.
وبعد أن فار بنيامين نتنياهو في الانتخابات الأخيرة في إسرائيل، اشترطت حكومته أن تكون المفاوضات مباشرة مع سورية دون الوسيط التركي وهو الأمر الذي رفضته دمشق.
اسطنبول – الوطن




















