‘فارس مريضة وعند سريرها عدد من الأطباء، عصريين وتقليديين، وكل يعرض أدويته والمستقبل رهن بمن سيفوز بالشفاء، وإذا انتصرت هذه الصورة كان على الملالي أن يتحولوا إلى ديمقراطيين، وإذا أخفقت وجب على الديمقراطيين أن يتحولوا إلى ملال’.
هذا الكلام جاء في رواية ‘سمرقند’ للروائي اللبناني المبدع أمين المعلوف، تضمنت هذا الوصف المنسوب إلى صحافي (مستشرق) أميركي من مدينة أنابوليس في ولاية ميريلاند الأميركية الذي يلخص الحالة التي كانت سائدة في بلاد فارس (إيران) خلال الثورة الدستورية الشهيرة في عام 1906.
فارس هذه، التي تشهد الآن ثورة كالثورة الدستورية العظيمة التي غيرت كل شيء فيها مع مطلع القرن العشرين، كانت على مدى حقب التاريخ قد عرفت ديانات كثيرة، وبدعا متعددة وفرقا لا حصر لها، من بينها الزرادشتية والمانوية والإسلام بجناحيه السنة والشيعة، وأيضاً الفرقة الإسماعيلية التي أنجبت ظاهرة الحشاشين وحسن الصباح وقلعة ألـْموت وفرق أخرى من بينها البابية والبهائية والشيخية، وفارس في عهد إسماعيل الصفوي هي التي ابتدعت ‘ولاية الفقيه’ مستعينة بمرجعيات جبل عامل في لبنان أساساً وبمرجعيات المذهب الجعفري الإثني عشري في العراق وفي البحرين.
جاء في ‘سمرقند’، منسوباً إلى هذا المستشرق الآنف الذكر في مجال وصف أحوال إيران إبان الثورة الدستورية التي حققت انتصارها العظيم في عام 1906: كان رجال الدين منقسمين، قسم يرفض كل ما يأتي من أوروبا، حتى فكرة الديمقراطية أو البرلمان أو العصرنة، وكانوا يقولون: ‘لماذا نكون في حاجة إلى دستور وعندنا القرآن…؟’، ويرد عليهم العصريون بأن الكتاب قد ترك للناس أمر حكم أنفسهم ديمقراطياً إذْ يقول: ‘وأمرهم شورى بينهم’.
يصف هذا المستشرق، وفقاً لرواية ‘سمرقند’ الحالة التي سادت بلاد فارس بعد انتصار تلك الثورة الدستورية بقوله: ‘والحقُّ أن دستوراً قد سنَّ وسنت معه شرعة لحقوق المواطنين وكانت تقوم نواد في كل يوم وتظهر صحف… تسعون صحيفة يومية ومجلة أسبوعية في بضعة أشهر، وكانت أسماؤها ‘الحضارة’ و’المساواة’ و’الحرية’ و’أبواق البعث’! وكثيراً ما أستشهد بها في الصحافة البريطانية أو في صحف المعارضة الروسية.
في فترة من الفترات كانت تحكم هذه البلاد الحيوية النشيطة وفقاً لثلاثية عجيبة، فالخليفة، وإن كان أصبح مجرد صورة كاريكاتورية، عربي، والسلطان، أي الملك، سلجوقي تركي، والصدر الأعظم، أي رئيس الوزراء، فارسي… ولعل ما تجب الإشارة إليه هو أن الدولتين اللتين خلفتا الدولة السلجوقية في بلاد فارس (إيران) هما الدولة الصفوية ومؤسسها التركي إسماعيل الصفوي والدولة الكادارية أو القاجارية التي أسستها عائلة تركية أيضاً.
الآن تبرز في إيران في إطار هذه الثورة الإصلاحية الصاخبة وجوه وقيادات من مشارب وخلفيات متعددة، فالمرشد الأعلى علي خامنئي آذاريٌّ تركي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإصلاحي مير حسين موسوي، أما مهدي كروبي فإنه من قومية ‘اللور’، وذلك في حين أن حسين الخميني حفيد الإمام الخميني من أصول هندية… ويبقى أن الفارسي النقيُّ من بين هؤلاء المتصارعين في إيران هو محمود أحمدي نجَّاد ومع ذلك فإن هذه البلاد العريقة بحضارتها وثقافتها استطاعت أن تصهر الجميع وتحقنهم بالنزعة القومية الفارسية، كما صهرت السلاجقة والصفويين والقاجاريين.
"الجريدة"




















