وليد شقير
تشبه الأزمة الحكومية اللبنانية الراهنة، بنتائجها السياسية، الأزمة السياسية – الأمنية التي مر بها لبنان بين نهاية العام 2006 وأيار (مايو) من العام 2008.
فالأزمة السابقة، التي تخللها تحرك في الشارع من التظاهرات الحاشدة للمعارضة، الى الاعتصام الذي دام سنة ونصف السنة وأدى الى تعطيل وسط بيروت، للإطاحة بحكومة الرئيس فؤاد السنيورة ورهن انتخاب رئيس جديد للجمهورية بمطالب عدة أبرزها حصول المعارضين على الثلث المعطل في الحكومة، أدت الى شلل شبه تام على صعيد المؤسسات الثلاث في لبنان، الرئاسة الأولى، الحكومة والبرلمان، الذي أُقفل ومُنع من الالتئام سواء للتشريع أم للحوار السياسي…
وعلى رغم اختلاف الظروف والخلفيات فإن الأزمة الراهنة تشبه بإحدى نتائجها الأزمة السابقة، لجهة تسببها بشلل المؤسسات الثلاث. فمقابل الفراغ الذي ساد في الرئاسة الأولى نتيجة رفض الأكثرية في حينها أي قوى 14 آذار التعاطي مع الرئيس الممدد له بالقهر والضغط إميل لحود، ومن ثم الفراغ في سدة المنصب الأول في الدولة بعد تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2007 حتى أيار 2008، تتعرض الرئاسة على رغم انتخاب رئيس منذ زهاء سنة و5 أشهر الى ما يشبه تفريغها من مضمونها. ففي ظل غياب حكومة جديدة تتمتع بثقة المجلس النيابي، لا صلاحية لرئيس الجمهورية سوى التشاور مع الرئيس المكلف تشكيل الحكومة الجديدة حول جهوده لإنجاز التأليف، وصولاً الى توقيع المرسوم حين يتفقان على التشكيلة، ومتابعة أمور تصريف الأعمال مع رئيس الحكومة المستقيلة… فدور رئيس الجمهورية الفعلي في السلطة التنفيذية لا يمارسه إلا في إطار تشكيل مجلس الوزراء (غير الموجود) وفق دستور الطائف. بل ان أزمة التأليف بأبعادها السياسية أثبتت أنه يتعذر على رئيس الجمهورية ممارسة صلاحية الاشتراك في تكوين السلطة التنفيذية، طالما أن طبيعة هذه الأزمة حالت دون توقيعه على التشكيلة التي عرضها رئيس الحكومة المكلّف الأسبوع الماضي لأنه لو فعل لكان وزراء المعارضة المعنيون فيها استقالوا، ولكانوا بذلك أطاحوا التشكيلة وبتوقيعه عليها. وبهذا يكون توقيع الرئاسة مشلولاً أيضاً.
ولا يحتاج شبه الشلل في مؤسسة مجلس الوزراء، نتيجة أزمة التأليف، الى شرح كبير، فالحكومة المستقيلة برئاسة فؤاد السنيورة تمارس تصريف الأعمال في "نطاقه الضيق" بحيث لا تجتمع (وبالتالي يتعذر على رئيس الجمهورية أيضاً رئاسة مجلس الوزراء كواحة من صلاحياته) ويكتفي وزراؤها بتسيير شؤون وزاراتهم من دون قرارات أساسية، وبالتالي يتعذر عليها إحالة مشاريع قوانين الى البرلمان.
وينسحب شبه الشلل القائم حكماً على البرلمان لتعذر التئامه من أجل تشريع القوانين وسنّها والبت بعدد كبير من المشاريع المتراكمة منذ الأزمة السابقة وتعنى بالوضعين الاقتصادي والمالي… طالما أن الحكومة التي يتوجب مشاركتها في مناقشة هذه المشاريع هي حكومة مستقيلة…
ومع أن البرلمان قد يلتئم من أجل انتخاب أعضاء ورؤساء اللجان النيابية لأنه إجراء روتيني لا يحتاج لحضور الحكومة، فإن السلطة التشريعية ستبقى مشلولة في غياب حكومة جديدة وسيتعذر على الأكثرية والأقلية ممارسة دورهما السياسي في إطاره.
إن الشلل في الدولة اللبنانية الذي سببه الاعتصام الاحتجاجي في الأزمة السابقة بات محققاً مع أزمة التأليف، من دون اعتصام…
إذا أراد المرء البحث عن أوجه شبه بين الأزمتين، من زاوية الأهداف والأساليب والنتائج، يمكنه اكتشاف أوجه عدة، ليس إلغاء نتائج الانتخابات النيابية في العام 2005، ثم في العام 2009 آخرها. وقد يجد المرء أوجه اختلاف في الظروف والوسائل إضافة الى أوجه التشابه، إن داخلياً أو إقليمياً. فالأزمة السابقة انتهت بعد جولة عنف خطيرة في 7 أيار 2008، فتحت باب الفتنة المذهبية على مصراعيه، لإقناع الأكثرية بإعطاء الأقلية حق التعطيل، أي الثلث +1 في مجلس الوزراء، أي لإقناعها بالتسليم بأنها أكثرية "وهمية" كما كانت قيادات المعارضة تقول.
وجاءت انتخابات 2009 لتغيّر مفاعيل 7 أيار السياسية، وهذا يجعل ظروف ومبررات تكرار 7 أيار واحداً من أوجه الاختلاف بين الأزمتين السابقة والحالية. والأساس في وجه الاختلاف هذا هو أن العلاقات الإقليمية، لا سيما بين سورية والسعودية كانت في أوج تأزمها، بينما هي الآن في وضعية المصالحة على رغم أنها ليست في أحسن حال.




















