ما زال لبنان يدور في دوامة تشكيل حكومة جديدة. ينتقل من تكليف إلى آخر ومن جولة مشاورات إلى أخرى. تعذّر العثور على تركيبة، تخرج البلد من أزمته. بعد أكثر من ثلاثة أشهر على الانتخابات النيابية، وبعد 73 يوماً على التكليف الأول وما تخلّله من محاولات واتصالات؛ والبلد باق بلا حكومة. تضاربت المطالب والشروط وأدّت إلى الطريق المسدود.
أول من أمس، تجدّد التكليف وبدأت العملية من جديد ومن المربع الأول. صحيح أن الأمور ما زالت منضبطة، حتى الآن، ضمن الأصول الدستورية المعمول بها. لكن المواقف، تبدو على حالها. أجواء الاستشارات لتسمية الرئيس المكلف، كشفت عن المزيد من الإصرار عليها.
بل عن المزيد من التباعد بين الأطراف. الخطاب تشدّد أكثر وحالة التمترس في الخنادق السياسية، تنذر بالتصعيد. في حين كان من المأمول والمفترض أن يحصل نوع من المراجعة وإعادة النظر؛ بعد التعثّر الذي أدّى إلى تأخير ولادة الحكومة.
خاصة وأن الظروف الداخلية والإقليمية، تستدعي العجلة في الخروج من الدوّامة الحكومية. الخطر أن الجمود الحكومي، محكوم بتوليد الاحتقان في الشارع. تراكم هذا الأخير حصيلته معروفة.
سبق وكابدت منها الساحة اللبنانية. والكلفة كانت عالية، على السلم الأهلي كما على عملية إحياء مؤسسات الدولة. وبالرغم من مرارة التجربة ومن خطر تكرارها، إلاّ أن قواعد اللعبة لم تتغير. ما زالت حرب الشروط على أشدّها. التزحزح عن المطالب والمطالب المعاكسة، لا أثر له.
الأطراف المتقابلة تواصل خوض المعركة نفسها وبالمقاربة ذاتها. الصراع على الحصص والحقائب، ضرب أطنابه. الصراع السياسي مشروع ولا غبار عليه. لكن له حدود وخطوط حمراء. وإذا كان لا يجوز تجاوزها في الحالات العادية، فإنه في الحالة اللبنانية الراهنة لا يجوز الاقتراب منها.
اللبنانيون يعرفون جيداً كم هي سريعة العطب. بل كم هي قابليتها عالية للاشتعال؛ وبما يدخل البلاد مرة أخرى في نفق المجهول. غياب التنازلات والحلحلة، لا يقود إلا إلى التعطيل والانسداد. وهذا بدوره لا ينتج سوى تفاقم الأزمة وتحويلها إلى مأزق وطني مستعصٍ.
لبنان يقف الآن أمام امتحان في ظل معطيات صعبة. العوامل والحسابات التي أدّت إلى أزمته الحالية كثيرة ومتنوعة ومتداخلة. لكن قواه السياسية مطالبة في هذه اللحظة بأن تبدأ هذه الجولة، بلغة أخرى تقوم على الحوار الكفيل بالوصول إلى تشكيل حكومة، بأوسع مشاركة وطنية فيها وبأسرع ما أمكن.
التأخير يجرّ معه عواقب، ومواصلة التدافع بهذه الصورة يضمن الخسائر للجميع، وبالأساس للبنان.




















