تحسين الحلبي
أخيراً أصدرت لجنة استقصاء الحقائق التابعة للأمم المتحدة حول جرائم الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة التي يرأسها ريتشارد غولدستون تقريرها الذي ضم 575 صفحة تضمنت التوصيات التالية:
1- فتح المعابر فوراً وإزالة جميع القيود عنها بما في ذلك السواحل البحرية والسماح بصيد الأسماك.
2- على إسرائيل مراجعة قواعد الاشتباك التي تنتهجها مع الفلسطينيين وأن تلتزم بميثاق جنيف والصليب الأحمر الدولي لضمان تطبيق القانون الدولي.
3- أن تسمح بحرية العبور للفلسطينيين بين قطاع غزة والضفة الغربية.
4- على إسرائيل الإفراج عن السجناء المعتقلين بسبب الاحتلال. وكان من بين أهم التوصيات:
1- إن مجلس الأمن الدولي يدعو إسرائيل إلى إجراء تحقيقات جدية حول خرق الجنود الإسرائيليين للقانون الدولي وأن تقدم نتائج هذا التحقيق خلال ثلاثة أشهر إلى مجلس الأمن الدولي.
2- على مجلس الأمن الدولي تعيين لجنة مستقلة من الخبراء في قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي لمراقبة التحقيقات الإسرائيلية وتقديم تقرير حولها لمجلس الأمن وعلى هذه اللجنة تقديم تقريرها حول مدى جدية ومصداقية التحقيقات الإسرائيلية إلى مجلس الأمن الدولي خلال ستة أشهر وإذا ما قررت اللجنة أن التحقيقات الإسرائيلية لا تحمل مصداقية وجدية فسوف ينقل مجلس الأمن الدولي التحقيق والمحاكمة لمحكمة الجنايات الدولية.
وتضمن التقرير توصيات أخرى للجمعية العامة للأمم المتحدة لتعزيز صلاحية مجلس الأمن تجاه جرائم الحرب الإسرائيلية.
وعلى الرغم من أن إسرائيل ليست من الدول التي وقعت على ميثاق محكمة الجنايات الدولية «ميثاق روما» إلا أن ذلك لا يحول دون محاكمة مرتكبي جرائم الحرب الإسرائيليين من قبل هذه المحكمة إذا ما طلب مجلس الأمن الدولي ذلك.
وبسبب الدور الكبير الذي سيتولاه مجلس الأمن الدولي بدأت القيادة الإسرائيلية منذ الآن بالتعويل على دور واشنطن في منع تصديق مجلس الأمن الدولي على إحالة القضية على محكمة الجنايات الدولية وقد علق آفي بيل البروفيسور الإسرائيلي في جامعة بار إيلان والمختص بالقانون الدولي على هذا التقرير محذراً من خطورته على إسرائيل إذا لم تمنع تنفيذه الولايات المتحدة من خلال دورها في مجلس الأمن الدولي.
لكن المسؤولين في إسرائيل أعربوا عن ردة فعل حادة تجاه هذا التقرير ولو لم يكن ريتشارد غولدستون يهودياً لاتهم بمعاداة السامية أي معاداة اليهود، ورغم ذلك وصف معظم المسؤولين الإسرائيليين غولدستون بالمنحاز والمعادي لإسرائيل بل إن صحيفة هآرتس أجرت مقابلة سريعة مع ابنته نيكول التي تعيش في كندا وكانت قد أقامت في إسرائيل لفترة من الوقت حول موقفها من والدها.
وذكرت هآرتس أن نيكول قالت: «لو لم يكن أبي رئيس اللجنة لجاء التقرير في نتائجه أسوأ كثيراً من تقرير والدي وأجرت إذاعة الجيش الإسرائيلي مقابلة مع نيكول التي تتقن العبرية أكدت فيها أن والدها غير معاد لإسرائيل لكنه يريد السلام للجميع بنظرها. أما المسؤولون في الولايات المتحدة فقد امتنعوا عن التعليق على التقرير الذي سلم لهم كاملاً وقال أحد المسؤولين الأميركيين: «تسلمنا نسخة من تقرير القاضي غولدستون ولأن التقرير كبير والمسألة التي يناقشها معقدة فإن دراستنا لاستنتاجاته ستستغرق زمناً ونحن سنراجع ما فيه بحرص».
وأعلن ناطق إسرائيلي باسم وزارة الخارجية أن إسرائيل تشعر بالغضب لأن لجنة غولدستون لم تقبل بنتائج التحقيق الذي أجرته المؤسسات القانونية الإسرائيلية حول ما جرى في قطاع غزة. ويذكر أن المؤسسة القضائية في قيادة الجيش الإسرائيلي برأت جميع الجنود والضباط الذين شاركوا في الحرب على قطاع غزة من أي تهم بارتكاب مخالفات بحق المدنيين الفلسطينيين أو ممتلكاتهم في القطاع. وكشفت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية أن القيادة الإسرائيلية أبدت حنقها الشديد من التقرير واستخلاصاته واتهمته بتجنب أي توازن ووصفته «بالوثيقة الأكثر عاراً» على إسرائيل.
وقال مسؤول إسرائيلي: إن إسرائيل لم تتعامل مع لجنة غولدستون لأنها أدانت إسرائيل قبل إعداد تقريرها وتوزيعه وقال رئيس (الكنيست) البرلمان الإسرائيلي وهو من قادة ليكود: إن التقرير مروع في مقارنته ونحن لم نجد أن الأمم المتحدة تعاملت مع دول أخرى مثلما تعاملت مع إسرائيل في هذا التقرير ونتائجه.
ورغم أن التقرير تضمن ما يشير إلى مزاعم بارتكاب القيادة الفلسطينية في قطاع غزة لمخالفات بسبب إطلاق صواريخ «القسام» وغيرها على المستوطنات الإسرائيلية في سديروت إلا أن التقرير لم يصف مجموعات المقاومة الفلسطينية بالمجموعات الإرهابية بل بالمجموعات المحلية المسلحة وهو ما ستحتج عليه إسرائيل دون شك.
أما شمعون بيريس رئيس الدولة فقد ذكر لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية أن هذا التقرير سيحمل نتائج صعبة على إسرائيل وهو يعد «صفحة تسخر من التاريخ» في المنطقة وحمل بيريس على غولدستون وأعضاء اللجنة الذين شاركوه في إعداد هذا التقرير بعد جولات قاموا بها إلى قطاع غزة والضفة الغربية وإسرائيل.
ورأى المحلل العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت «رون بن يشاي» أن نتائج التقرير تنطوي على خطورة كبيرة على إسرائيل وقال: «إن ضربة على ثلاث جبهات وقعت على إسرائيل في يوم واحد، فتقرير غولدستون باسم الأمم المتحدة يعرض للخطر مواجهة إسرائيل للمقاومة الفلسطينية. وهو ضربة لإسرائيل على الساحة الدولية، وعلى الساحة الإعلامية الدعائية وعلى الساحة العسكرية القضائية..».
ورأى بن يشاي أن آثارها على الساحة الدولية ستظهر من خلال تشكيله أساساً لمشروعات اقتراحات وقرارات معادية لإسرائيل يمكن للدول العربية والإسلامية تقديمها في الأمم المتحدة وخصوصاً في جلسات الجمعية العامة المقبلة في أيلول الجاري نفسه. ويضيف بن يشاي: «على الساحة الإعلامية الدعائية سيتوافر للعرب مسوغ محايد دولي لشن الحملات على إسرائيل والاحتلال لمدة طويلة».
ويبدو أن بن يشاي تجنب الحديث عن مضاعفات هذا التقرير على معنوية الضباط والجنود الإسرائيليين وخوفهم من محاكمات أمام محكمة الجنايات الدولية إذا ما نجحت الدول العربية بالحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي على قرار كهذا، لكن بن يشاي يعترف رغم ذلك بأن هذا التقرير أدان إسرائيل بانتهاج نظام (الأبارتايد) العنصري الذي انتهى من الوجود في جنوب إفريقيا ووضع النظام الإسرائيلي أمام العالم بنفس المظهر والجوهر. والسؤال الأخير هو هل سيستثمر الفلسطينيون أولاً والعرب ثانياً هذه الإدانة لإسرائيل لتعزيز العمل على عزل إسرائيل وفرض العقوبات عليها؟
"الوطن"




















