رمزي بارود* – (كاونتربنش) 14/7/2023
كلما زاد العنف الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين، أصبحوا أكثر جرأة فحسب. وسوف يدل أي فحص للخطاب السياسي لهذا الجيل الفلسطيني الجديد، بما في ذلك خطاب وسائل التواصل الاجتماعي، على درجة من الجرأة غير مسبوقة حقًا.
لم يكن الغزو الإسرائيلي المميت الذي نفذته قوات الاحتلال في جنين في 3 تموز (يوليو) مفاجأة. وليس من المفاجئ أيضًا أن مقتل 12 فلسطينيا وجرح 120 آخرين وتدمير ما يقرب من 80 في المائة من منازل مخيم جنين للاجئين وبنيته التحتية، لن تُحدثَ أي فارق يُعتد به.
وحتى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على الرغم من وعوده المتغطرسة بتدمير “الملاذ الآمن… (الذي يشكله) الجيب الإرهابي في جنين”، لا بد أنه كان يعلم أن مناورته الدموية لن تكون مجدية في نهاية المطاف.
في واقع الأمر، بينما كانت الآلة العسكرية الإسرائيلية تهدم المنازل وتحطم السيارات وتحصد الأرواح، تم الإبلاغ عن وقوع عدة هجمات انتقامية فلسطينية، بما في ذلك الهجوم في تل أبيب في 4 تموز (يوليو)، والهجوم في مستوطنة “كدوميم” غير القانونية في 6 تموز (يوليو).
في الحقيقة، على عكس ما حققه الرد الإسرائيلي على الانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام 2000، لن يضعِف العنف الشديد للهجمة الأخيرة، بل سيزيد المقاومة والهجمات المضادة الفلسطينية. في وقت الانتفاضة الثانية، كانت السلطة الفلسطينية تمتلك درجة من السيطرة على الجماعات الفلسطينية، وتمكنت -ولو أنها عانت في ذلك من صعوبات كبيرة- من احتواء الشارع الفلسطيني. والآن، لا تملك السلطة الفلسطينية مثل هذا النفوذ.
في الواقع، عندما زار وفد من مسؤولي السلطة الفلسطينية جنين في 5 تموز (يوليو)، لإظهار “التضامن” وتقديم الوعد بالمساعدة في جهود التعافي، قام سكان جنين بطرد هؤلاء المسؤولين من مخيمهم.
وهكذا، لم تتمكن إسرائيل من استعادة أي نوع من السيطرة على جنين، ولم تنجح السلطة الفلسطينية في إعادة اختراع نفسها كمنقذ للشعب الفلسطيني.
وإذن، ماذا كانت الفكرة من كل هذا؟ في مقال نُشر في صحيفة “هآرتس”، ربط الكاتب، تسفي بارئيل، عملية جنين برمتها، التي أُطلق عليها اسم “البيت والحديقة”، بـ”فقدان نتنياهو السيطرة السياسية” على حكومته؛ بل في الواقع، على البلد كله.
كانت هذه “عملية استعراضية”، كما كتب بارئيل، و”لم يعتقد أي شخص عاقل في الجيش أو جهاز الأمن العام (الشاباك)، أو حتى في الدوائر الصامتة لليمين، بأن هذه العملية ستقضي حقًا على المقاومة المسلحة، ليس فقط في جنين، ولكن في أي مكان في الضفة الغربية”.
وهي “عملية استعراضية” في الحقيقة، وأفضل دليل على ذلك هو نوع اللغة الصادرة عن مصادر إسرائيلية رسمية، وعلى رأسها نتنياهو نفسه. فقد تفاخر الزعيم الإسرائيلي اليميني المحاصر سياسيًا -وقانونيًا أيضًا- بـ”العمل الشامل” الذي قام به جيشه، والذي تم تنفيذه “بطريقة منهجية للغاية… من الأرض، من الجو (و) بذكاء رائع”. وتعهد بـ”العودة إلى جنين” إذا “عادت جنين إلى الإرهاب”، وهذا “سيحدث بشكل أسرع بكثير وبقوة أكبر بكثير مما قد يتخيله الناس”.
كما تحدث وزير الدفاع في تل أبيب، يوآف غالانت، عن “نجاح” الجيش، في “توجيه ضربة قوية للمنظمات الإرهابية في جنين”، وتسجيل “إنجازات عملياتية رائعة”.
ولكن، لا شيء من هذه اللغة الصاخبة صحيح. إن ما تشير إليه إسرائيل بـ”المنظمات الإرهابية” في جنين هو جزء من ظاهرة أكبر بكثير من المقاومة المسلحة التي جاءت هي نفسها كنتيجة لحركة أكبر من المقاومة الشعبية التي يتم الشعور بها في كل ركن من أركان فلسطين المحتلة. وليس إخماد هذه الثورة مسألة قوة نارية؛ بل العكس من ذلك، حيث كان “الإنجاز العملياتي المثير للإعجاب” الذي حققته إسرائيل ببساطة هو صب الوقود على نار مستعرة مسبقًا.
لصرف الانتباه عن مشاكله المتصاعدة، وإبقاء تحالفاته المتطرفة من السياسيين اليمينيين المتطرفين وقاعدتهم الشعبية من المستوطنين اليهود غير الشرعيين سعيدة، فعل نتنياهو الشيء الأكثر حماقة على الإطلاق. لقد حول ببساطة ثورة مسلحة ممكنة في فلسطين إلى ثورة حقيقية وشيكة على مستوى الضفة الغربية كلها. وعلى عكس الانتفاضة الثانية، لا تملك إسرائيل ولا السلطة الفلسطينية أي نفوذ يُذكر على الجيل الجديد من المقاومين الفلسطينيين هذه المرة. إنهم لا تحركهم الوعود الكاذبة بإقامة دولة أو الوظائف أو الأموال الدولية، ولا يبدو أنهم يخشون التهديدات بالاعتقال أو التعذيب -أو حتى الموت نفسه.
بل على العكس من ذلك، كلما زاد العنف الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين، أصبحوا أكثر جرأة فحسب. وسوف يدل أي فحص للخطاب السياسي لهذا الجيل الفلسطيني الجديد، بما في ذلك خطاب وسائل التواصل الاجتماعي، على درجة من الجرأة غير مسبوقة حقًا.
ويمكن أن تعزى هذه الشجاعة، في جزء منها، إلى غزة التي أثرت مقاومتها المستمرة، على الرغم من الحصار والحروب المروعة في العقدين الماضيين، بشكل كبير على شباب الضفة الغربية. وبينما انخرط رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، وأعداؤه الفلسطينيون في تمثيلية مطولة من “محادثات الوحدة الوطنية” و”تقاسم السلطة”، عمل الجيل الجديد بشكل مستقل تمامًا عن هذه الشعارات السطحية وغير المخلصة.
وعلى الرغم من أن أبناء هذا الجيل ولدوا أو نضجوا في الغالب بعد توقيع اتفاقات أوسلو في العام 1993، إلا أنهم ينظرون إلى اللغة والثقافة السياسية لتلك الحقبة على أنها غريبة عنهم. ويبدو الآن وكأن هناك فلسطينيَّين مختلفَين، أحدهما عباس و”فتح” والفصائل وأوسلو وأموال المانحين و”عملية السلام” والسياسة القذرة؛ والآخر هو المقاومة الموحدة على الأرض، والصمود، وغزة، وجنين، ونابلس، و”عرين الأسود” وغيرها.
لا يبدو أن نتنياهو ولا غالانت، ولا عباس وحلفاءه في السلطة الفلسطينية يفهمون، ولا هم على استعداد لأن يفهموا هذا التحول التاريخي في الخطابات السياسية والثقافات واللغة. إنهم غير مهتمين بالتحول الثقافي لمجرد أنه لا يخدم الوضع الراهن الذي خدمهم بشكل جيد. نتنياهو يريد البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة؛ ويريد غالانت إظهار براعته العسكرية -من أجل الترشح لمنصب أعلى في المستقبل- ويريد عباس الاحتفاظ بأي حصة من السلطة والمال تُخصص له.
لكنهم ربما يفهمون جميعًا، على مستوى أعمق، أن ما نجح في الماضي -المزيد من العنف في حالة إسرائيل والمزيد من الرشاوى المالية والفساد في حالة السلطة الفلسطينية، لن ينجح في الوقت الحاضر. ومع ذلك، يغلب أن يستمروا في هذا المسار لمجرد أنهم ضعفاء ويائسون وليست لديهم رؤى طويلة الأجل، ناهيك عن فهم حقيقي لما يحدث في فلسطين الآن. إنه، في بعض النواحي، مشكلة أجيال، وصراع.
بمجرد أن اجتاحت إسرائيل جنين، عادت جميع الجهات الفاعلة التقليدية إلى النص القديم عن الحروب والغزوات الإسرائيلية السابقة. هرعوا جميعًا إلى موقفهم المعتاد، مستخدمين اللغة التي يمكن التنبؤ بها دائمًا من الموافقة، والإدانة، والتصفيق والتحذير.
بالنسبة للجيل الأكبر سنًا، توقف الوقت. لكنه لم يفعل في الحقيقة. لقد دفن أبناء الجيل الفلسطيني الجديد أشباح الماضي ومضوا قدمًا. والآن، هم على استعداد للتحدث عن أنفسهم بأنفسهم والقتال من أجل أنفسهم. وليست جنين سوى البداية.
“الغد”

























