نخبوية الفكر الفلسفي والاطلاع على المراجع الفلسفية غالبا يجعل منها عائقا أمام العامة، الذين يصيبهم الفضول إزاء فهم أفكار توصف دائما بالمهمة، لكن لا يمكن أن يفسِّرها إلَّا الخاصة. وعلى هذا، يعتقد الإنسان العادي أن المأوى هو التسلية والارتكان إلى قراءة أو مشاهدة الأعمال التي تتناول حكايات خفيفة قد تشبع ذائقته الأدبية، وتمتاز بمخاطبة الفكر بطريقة سهلة وبسيطة. وفي حال نجاح الفرد العادي في الهروب من انتهاج الفكر الفلسفي، يصطدم مرَّة أخرى بالأفكار والنظريات العلمية متسارعة الوتيرة، التي تتطلَّب أيضا أسلوب تفكير حاد الفهم والنقد والبصيرة.
وفي خضَّم واقع نخبوي يعمل على إقصاء كل من لا يستطع مماراته، عمد الكاتب النرويجي يوستين غاردر Jostin Gaarder (1952) الذي يبلغ من العمر 71 عاما، إلى تقديم أعمال روائية فلسفية لكن من منظور يسهل على اليافع فهمه، وإن كانت الفئة التي يستهدفها بإبداعه الأدبي لا تقتصر على اليافعين، بل موجهة لجميع الفئات العمرية التي تسعى إلى الفهم وتنمية الذات، وذائقتها العلمية والأدبية والفلسفية.
ويكمن إسهامه الحقيقي في عالم الأدب في تقديم أفكار فلسفية معقَّدة بأسلوب شائق، من خلال التغلغل في الجانب النفسي للقارئ عن طريق حبك روايات تصلح لأن تكون نموذجا للحكايات الخيالية (الحواديت) الموجَّهة للأطفال، على شاكلة «سندريلا» و»ذات الرداء الأحمر» لكن بأسلوب حديث؛ حيث أن أبطال رواياته شخصيات واقعية موطنها العصر الحديث، حيث تعيش وتتجوَّل في مدنه ودوله. وبذلك، يلمس الطفل داخل نفوس البالغين، وفي الوقت نفسه يحبك قصَّة خيالية تصلح لجميع أفراد العائلة، ولجذب القارئ بكل الوسائل، فإن أسلوب الحكي الذي يتَّبعه يوستين غاردر هو سرد حكاية في داخل الحبكة الأصلية للرواية، وبذلك ينتقل محور الأحداث ومعه القارئ بين أزمنة مختلفة، وكذلك بين الواقع والخيال، في حكايات يلفَّها الغموض، لدرجة تحيلها إلى لغز يتشوَّق القارئ لمعرفة حلُّه.
وبسبب ذاك الأسلوب غير المعتاد، اكتسب يوستين غاردر» شهرة عالمية غير متوقَّعة، وتُرجمت أعماله إلى لغات مختلفة وصلت إلى 60 لغة بالنسبة لرواية «عالم صوفي» Sofies verden الذي كان بمثابة انطلاقته الحقيقية في عالم الأدب، و43 لغة بالنسبة لرواية «فتاة البرتقال» Applesinpikin. وقد ضرب رقما قياسيا في مبيعات مؤلَّفاته، عندما تم بيع 40 مليون نسخة من روايته «عالم صوفي» في جميع أنحاء العالم. وقد نال العديد من الجوائز العالمية عن رواياته، أضافة إلى تحويل بعض منها لأعمال سينمائية حازت إعجاب المشاهدين بسبب حبكتها غير المألوفة.
ونشأة يوستين غاردر في أسرة مستقِّرة، يعمل فيها الأب ناظرا لمدرسة، والأم تكتب للأطفال، كانت تربوية، وتعنى بغرس القيم والعلوم في النشء، وقد ظهر هذا التأثير عندما عمل مدرِّسا للنشء في المراحل الأولى من التعليم.
ونشأة يوستين غاردر في أسرة مستقِّرة، يعمل فيها الأب ناظرا لمدرسة، والأم تكتب للأطفال، كانت تربوية، وتعنى بغرس القيم والعلوم في النشء، وقد ظهر هذا التأثير عندما عمل مدرِّسا للنشء في المراحل الأولى من التعليم. ومن ثمَّ، استقر في ذهنه أن أفضل طريقة لتقريب أصعب المفاهيم هي استخدام الحكاية والغموض، وقد ظهر هذا التأثير في أسلوبه الروائي؛ حيث كانت الحكاية الخيالية هي محور جميع رواياته، حتى لو كانت أحداثها تدور في العالم الحديث المتحضِّر. وعلى عكس المتوقَّع، لم يغلِّف رواياته بأسلوب من الواقعية السحرية، التي تبرز تكنيك الحكاية الخيالية وتعمِّق الغموض، بل كان غرضه الأساسي من الكتابة تثقيفيا، وعلى هذا، اختار الأسلوب الأصعب في الكتابة؛ ألا وهو «الواقعية العلمية» Scientific Realism، الذي لا ينتهجه غالبا الأدباء، بسبب جمود التعامل معه أدبيا. وأسلوب الواقعية العلمية هو أسلوب ينتصر للعلوم؛ حيث يؤكِّد أن الطريقة التي يصف فيها «العِلْم» الكون هو الأمر الصحيح والواقعي، بغضّ النظر عن كيفية تفسير العلم له، على سبيل المثال، إذا قال العلماء أن الأرض كروية، فيعني ذلك أنها كروية، حتى لو اتبعوا أساليب غير مفهومة ومتباينة لإثبات هذا. والواقعية العلمية قد تندرج كفرع من فروع فلسفة العلم التي تثبت «مدى انتصار العلم والرأي العلمي على غيره من الآراء، حتى لو كان العلم يعمل على تفسير الكيانات غير المرئية من خلال النظريات العلمية، ومثال على ذلك نظرية النسبية لأينشتاين. ومن ثمَّ، فإن الواقعيين العلميين يقدِّمون ادعاءات صحيحة حول أشياء غير مرئية، يمكن ملاحظة تأثيرها. ويعني ذلك أن الواقعيين العلميين لا تعوزهم الحالة الوجودية في الاستفسار والاستقصاء عن طبيعة الأشياء، لكنهم بعيدون عن الذرائعية؛ أي تناول أمر حدث أو تكرر حدوثه بطريقة قد تكون غير منطقية، وبناء عليه تُفَسَّر أنماط فكرية أو ظواهر.
وعلى الرغم من جمود هذا القالب من الكتابة، لكن يوستين غاردر حوَّلها لمنهاج فلسفي نابض. وروايته «عالم صوفي» (1991) تعكس تماما قدرته على تحويل العلوم الجامدة إلى عمل أدبي يسارع العالم لاقتنائه، وتناقش الرواية تاريخ الفلسفة بأسلوب محكم جعل العديد من الجامعات العالمية تفرضها على طلاب المرحلة التمهيدية، كما لو كانت كتابا تعليميا؛ لأن الرواية تناقش حقائق ومفاهيم فلسفية شديدة التعقيد بأسلوب سهل مبسَّط يستوعبه اليافعون.
أمَّا رواية «فتاة البرتقال» (2004) فهي الرواية اللغز الذي يكشف عنه خطاب يرسله الأب إلى ابنه بعد عشر سنوات من موته، وحتى اكتشاف هذا الخطاب يأتي عن طريق الصدفة، حيث اكتشفته الأم بعد موت الجدَّة مخبأ وراء الكرسي المتحرِّك الذي كانت تستخدمه. ويحكي الأب في الخطاب حكاية فتاة غامضة وكأنها قفزت من عالم الأساطير إلى الألفية الثالثة، تسترعي انتباه شاب، لدرجة تجعله يتعلَّق بها ويفكِّر فيها، على الرغم من ظهورها على فترات متباعدة، وفي كلّ مرَّة يجدها تحمل كيسا من البرتقال. والرواية تسعى إلى تأصيل التفكير المنطقي والبحث عن غير المرئيات بأسلوب علمي ممنهج، يعزز ذلك حثّ الأب لابنه لمتابعة أخبار المنظار الفضائي «هوبل» Hubble الذي أُعلن للعالم العام الماضي فقط عن التقاطه لصور مميزة ودقيقة للكون.
ومن الجدير بالذكر أن الكاتب النرويجي يوستين غاردر المعروف بأنه أحد ناشطي قضية التغيُّر المناخي، فهو أيضا ناشط سياسي وأحد المدافعين عن اللاجئين الفلسطينيين والقضية الفلسطينية، بل يدين الاستعمار الإسرائيلي وينتقد استعماره للضفة الغربية. وكذلك ينتقد مبدأ معاداة السامية، في سبيله للدعوة للتسامح ونشر السلام في العالم.
تعد الآداب الإسكندنافية عالما غير مطروق، ذا طبيعة خاصة تعنى بالعلوم والعلاقات الإنسانية، وإن كان ذلك يتأتى بأسلوب غير مألوف. ولهذا، يحتاج الأدب الإسكندنافي للمزيد من البحث والدراسة، للتعرُّف ليس فقط على ثقافات جديدة، لكن لإدراك مبادئ عالم شديد التقدُّم، لربما نستقي منه الدرس والعظة.
“القدس العربي”


























