عقب صدور نتائج امتحانات البكالوريا في سوريا شاعت النكتة التالية: “طالبٌ من اللاذقية، حصل على العلامة التامة، يقول: أشكر أبي وأمي على وقوفهم إلى جانبي، كما أشكر خالي العميد غسان الذي لم يفارقني أبداً، حتى داخل قاعة الامتحان”. في التفاصيل، التي أعلنها وزير التربية، أن 33 طالباً وطالبة حصلوا على العلامة التامة في الفرع العلمي، منهم 13 من اللاذقية و9 من طرطوس. الحصيلة ذاتها أتت بالتندّر على مدير مدرسة في اللاذقية، نال منها ما لا يقل عن ثماني طلاب العلامةَ التامة، وراجَ أنهم كانوا في قاعة امتحانية واحدة، ما يجعل المدير مستحقاً جائزة نوبل في هذا المضمار.
لا نجزم بأن الأسد تداول النكتة عن ذلك الخال العميد الحنون إلى درجة مرافقة ابن أخته في الامتحان، لكننا منطقياً نرجّح وصولها إليه، لأن مَن يمتلك هذا العدد الفاحش من أجهزة المخابرات يُفترض به الاطلاع على النكتة، وعلى العدد الفاحش أيضاً من الطلاب الذين نالوا العلامة التامة، خاصة في المحافظتين المتميزتين اللتين كانت لهما نسبة الثلثين من التفوّق. ما يرويه الذين انشقّوا عن الأسد بعد الثورة ينصّ على اهتمامه بمعرفة هذه التفاصيل، ومشاركته في التندّر العام على بعضها، والذين عرفوه عن قرب قبل توليه الرئاسة ثمّنَ معظمهم آنذاك مشاركته في النقد الذي كان موجَّهاً إلى سلطة أبيه ورجالاتها، بالهزل أو الجد.
في حقبة الأسد الأب، كان رأي المثقّفين الشائع أن الكوميديا التي يقدّمها دريد لحّام “على سبيل المثال” تخدم وظيفة التنفيس لدى الناس، إذ تخلق من معاناتهم الكئيبة نكتة تُضحكهم، من دون أن يهدف محتواها إلى تغيير أوضاعهم البائسة. أمّا مثقّفو الأسد الأب، ثم الابن، فقد واظبوا على اعتبار النقد، ومن ضمنه السخرية والنكتة، دليلاً على تسامح سلطته مع حرية التعبير بخلاف ما يشيعه المعارضون عنها. يُذكر أن الصحيفة الحكومية المحسوبة على القصر كانت دائماً الأعلى صوتاً في النقد الساخر، ومن كتّاب دأبوا على التلميح بكونهم معارضين، حتى أسفروا عن موالاتهم الصريحة في عام 2011.
فكرة استخدام النكتة للتنفيس عن الكبت السياسي تبدو أقرب إلى السذاجة في الواقع السوري، لأنها تفترض وجود سلطة عاقلة تقيس مخابراتُها منسوبَ الاحتقان لدى الجمهور، وتفادياً لارتفاعه يؤدي الفنّان أو الكاتب الساخر مهمته في إخراج قسم منه على شكل ساخر. بخلاف هذه الفكرة الشائعة، نميل بقوّة إلى تفسير “تسامح” السلطة مع هذا النوع من القول بأنه من قبيل اللامبالاة المطلقة كعتبة أولى، حيث يؤشّر عدم اكتراثها به إلى الاستهانة بفعاليته لجهة إثارة الجمهور ضدها. هكذا تترسّخ مقولة: أسمح لكم بقول “جزء ضئيل” مما تشاؤون، بينما أفعل “كلّ” ما أشاء.
في العتبة اللاحقة يقتنع الجمهور نفسه بأن سخريته ستكون بلا طائل، وأنه لا يفعل شيئاً سوى السخرية من ضعفه وعجزه. أي أن الدور المناط بالنكتة وفق فكرة التنفيس لا يتحقق، بل يحدث العكس تماماً إذ تؤدي النكتة إلى الإمعان في إذلال جمهورها الذي يتداولها كمجرّد وصف للحال، بلا أية مطامع في تحسين أوضاعه عبر النقد الساخر. ما ترسّخه النكتة مع توالي الزمن أن الحال هو ما عليه حقاً، وأن مأساة ومهزلة السوريين معاً هي من نواميس الكون التي لا قدرة لهم على تغييرها.
أما وقد تحولت السلطة ذاتها إلى رسم كاريكاتوري فاضح، والنتائج الأخيرة للبكالوريا نموذج بسيط على ذلك، فإن ركاكتها تصبح أشدّ مهانة لمحكوميها. إنها من تلقاء نفسها تقدّم لهم باستمرار ما هو مثير للضحك وللسخرية، وتعزز في الوقت ذاته القناعة بأنها عصيّة على التغيير، وبأنها الاستثناء الفاجر من بين سلطات يُفترض أنها شبيهة لها. وبدلاً من أن تكون السلطة، كما تُعرَّف تقليدياً، انعكاساً بنسبة أو أخرى للمجتمع فإنها في هذه الحالة تحطُّ من قدر محكوميها كلما تفاقم انحطاطها.
لقد كانت هذه السلطة في طور سابق تُظهِر تخوّفاً ما من الكلمة، فتلاحق أو تعتقل أصحابها، وما يبدو تسامحاً منها في السنوات الأخيرة ينمّ أولاً وأخيراً عن قلّة احترام لما يقال وللقائلين، لا عن أدنى احترام لحرية التعبير. فقد سبق ذلك أن قدّمتْ درساً للعموم عندما واجهتْ هتافات المتظاهرين بالرصاص، وقبل سنوات منه قدّم رئيسها درساً استثنائياً في الرأي الآخر، إذ سخر من معارضي ما سُمّي آنذاك بـ”ربيع دمشق” قائلاً أنهم فهموا خطأً حديثه عن قبول الرأي الآخر، إذ ظنّوا أنفسهم رأياً آخر! كان الخطاب واضحاً، ولم يكن من تفسير سوى بالنكتة القائلة أنه يحتكر الرأي والرأي الآخر معاً.
بهذا المعنى أيضاً، ليس مهماً ما إذا كانت النكتة قد وصلت إلى الأسد، فالذين أطلقوها لا أوهام لديهم، ولا يطمحون “رمزياً بالطبع” إلى معاقبة الخال العميد غسان الذي أتى لابن أخته بالعلامة التامة، وهُم أبعد من ذلك عن طموحِ وقف تدهور التعليم. هو أيضاً قد يضحك عندما تصله النكتة ويقرأها، وربما يرسلها إلى صديق أو قريب. أي أنه قد يفعل أيضاً ما يفعله أيّ سوري آخر، أيّ سوري لا حيلة له إزاء ناموس السلطة الذي لا يتبدّل.
إذا استمر الحال بالتدهور، وهو مرشَّح للاستمرار، فلن يكون مستبعداً أن يقرر مساعد أول من طرطوس منافسة الخال العميد ومدينته اللاذقية، وأن يصطحب المساعد أبناء وبنات أقربائه إلى قاعة امتحانية مخصصة لهم ولنيلهم العلامة التامة. سيكون هناك الكثير من النكات، يتندّر بها أولاً المحرومون الذين لا أخوال أو أعمام لهم على شاكلة العميد والمساعد، ثم تصل النكات نفسها إلى الأخيرين فيتداولونها فيما بينهم ويضحكون بحبور وزهوّ بسطوتهم، ثم تطرق أبواب المستويات العليا فيضحك أصحابها من سطوة أزلامهم الصغار. واحد من أوجه كسْر هذه الحلقة المهينة من الضحك، والتي تطبّع مع كاريكاتير السلطة وانحطاطها، هو أن لا يشارك فيها الذين هم خارجها وخارج سيطرة الأسد أصلاً. هذا الموقف لا ينطلق من نفور من السخرية والمرح، ولا من ربطٍ بين السياسة والتجهّم. إنه، على العكس من ذلك، ينطلق من أن السوريين يستحقون أن يكونوا في حال تسمح لهم بتأليف نكات مضحكة حقاً؛ نكات ليس فيها سماجة ورثاثة العميد غسان.
“المدن”

























