التجديد الدوري لما يعرف ب”صفقة الحبوب” التي إنتهى التمديد الأخير لها في 17 الجاري، يبدو أنه لن يكون شبيهاً بسابقيه. الصفقة عقدت في تموز/يوليو العام الماضي في إسطنبول بوساطة تركيا والأمم المتحدة، وتم التمديد لها أربع مرات منذ ذلك الحين. ولدى كل تمديد كان العالم يحبس أنفاسه بإنتظار الشروط التي سيضعها الكرملين ومدة التمديد التي سيقررها، حيث تراجعت المدة من ثلاثة أشهر إلى شهرين في التمديدين الأخيرين.
لدى كل تمديد للصفقة كانت روسيا تحرص على أن يبدو بأنه الأخير، وأنها لن تعود إلى الصفقة ثانية. لكنها هذه المرة عززت هذا الحرص بخطوة عملية أرادت منها أن تبعد عنها تهمة تجويع إفريقيا والمناطق الأخرى لدى خروجها من الصفقة. فقد استبقت يوم إنتهاء عمل الصفقة، وأعلنت عن منح صندوق الغذاء في الأمم المتحدة مبلغ 10 مليون$، على أن توزع بالتساوي على خمس دول إفريقية، عددتها وكالة تاس في 13 الجاري.
إضافة إلى ذلك، دعمت روسيا إحتمال عودتها إلى الصفقة بشروط توحي بالرغبة في إستخدامها للتخلص من حجم عقوبات وازن. فقد نشر موقع البروباغندا الروسي الشهيرRT في 22 الجاري كلمة في مجلس الأمن الدولي للنائب الأول لمندوب روسيا الدائم في الأمم المتحدة دمتري بوليانسكي قال فيها بأن موسكو تعود إلى الصفقة في حال تنفيذ سبعة شروط. بوليانسكي الذي عدد الشروط التي أصبحت شائعة، سبق أن صرح بأن الجيش الأوكراني، وتحت غطاء صفقة الحبوب، راكم طاقات عسكرية وازنة في الموانئ البحرية.
الصفقة اعتبرت في حينها إختراقاً جدياً للحرب الروسية على أوكرانيا، لكن التمديد الحالي، إن أفرج عنه بوتين، يبدو حلقة تصعيد في مجريات هذه الحرب في البحر الأسود. فقد نشر موقع الخدمة الروسية في “الحرة” الأميركية في 21 الجاري نصاً بعنوان “البحر الأسود الخطير. “أهداف مشروعة”، الحبوب الأوكرانية وإبتزاز الكرملين”. قال الموقع بأن البحر الأسود لم يعد آمناً للملاحة، والأسعار العالمية للحبوب، وبالدرجة الأولى القمح والشعير، تحلق عالياً. الجيش الروسي يواصل توجيه الضربات لموانئ أوكرانيا البحرية، ويصفها بأنها “ثأر” لتفجير جسر القرم في 17 الجاري. وفي هذا اليوم بالذات خرجت روسيا من “صفقة الحبوب”، وأعلنت أنه بدءاً من 20 تموز/يوليو سوف تعتبر كل السفن في الموانئ الأوكرانية “أهدافاً عسكرية مشروعة” بغض النظر عن العلم الذي ترفعه. وكييف بدورها أعلنت أنه، وبدءاً من 21 تموز/يوليو سوف تعتبر أن كل البواخر المبحرة في البحر الأسود نحو الموانئ الروسية تحمل شحنات عسكرية محتملة ـــ “مع كل المخاطر المترتبة على ذلك”. وأشارت وزارة الدفاع الأوكرانية إلى أن الإبحار في الجزء الشمالي الشرقي ومضيق كيرتش من البحر الأسود يعتبر خطيراً للغاية لكافة السفن، مرفقة إعلانها بالمعلومات الضرورية للبحارة. وحذرت من أن الجيش الأوكراني يملك كافة الوسائل “الضرورية لصد العدوان الروسي في البحر”.
موقع news الروسي قال في 23 الجاري أن الرئيس الأوكراني دعا أمين عام الناتو لعقد إجتماع “مجلس أوكرانيا” في الناتو “على عجل للتشاور بشأن الأزمة”. وفي حين قال زيلينسكي أن اللقاء يعقد قريباً، أشارت وكالة TACC إلى أنه سيعقد في 26 الجاري.
أضاف الموقع بأن زيلينسكي تواصل هاتفياً مع أمين عام الناتو بشأن الوضع في البحر الأسود وانضمام أوكرانيا إلى الناتو. وأشار إلى أن الطرفين إتفقا على الخطوات الضرورية لفك الحصار عن ممر الحبوب في البحر الأسود واستمرارية عمله.
نقل الموقع عن باحث صيني في مركز الأبحاث الروسية في جامعة صينية أنه صرح في مقال لصحيفة Global Times الصينية أن الناتو أوصد الباب بوجه كييف للإنضمام إلى الناتو في وقت قريب. ورأى أن على السلطات الأوكرانية أن تجد سبيلاً آخر لحل الصراع مع روسيا.
موقع inramenskoe تحدث في 17 الجاري عن الإنفجار على جسر القرم، ونقل عن اللجنة الوطنية المناهضة للإرهاب وصفها الإنفجار بأنه “عمل إرهابي”. كما نقل عن عضو لجنة الأمن ومكافحة الفساد البرلمانية أندريه ألشافسكيخ قوله بأن “وطننا” لفت إنتباه المجتمع الدولي إلى أن صفقة الحبوب بالنسبة لأوكرانيا هي تغطية لتنفيذ أعمال إرهابية ضد روسيا.
موقع الخدمة الروسية في الموقع الأوروبي euronews نقل في 22 الجاري عن معهد دراسة الحرب الأميركي ISW تحليله لماذا يتلاعب الكرملين بصفقة الحبوب. رأى المعهد أن روسيا تريد مرة أخرى تقويض الدعم الغربي لأوكرانيا، لذلك فهي تتلاعب بـ “اتفاقية الحبوب” وتضرب الموانئ الأوكرانية والبنية التحتية للحبوب. رأى تقرير المعهد أن الكرملين يحاول على ما يبدو التخفيف من وطأة بيان وزارة الدفاع الروسية الصادر في 19 تموز/ يوليو بشأن اعتبار السفن المدنية في البحر الأسود أهدافًا عسكرية. واعتبر أن روسيا تناور من أجل الإحتفاظ بالقدرة على تعديل الاتفاقية الحالية، بدلاً من التفاوض على اتفاقية جديدة كلياً، لأنها تسعى إلى الحصول على تنازلات كبيرة من الغرب. كما رجح أن الخارجية الروسية تحاول إثبات بقاء روسيا عضوًا قانونيًا في إتفاقية الحبوب، على الرغم من انسحابها منها، وذلك من أجل ترك قناة مفتوحة لروسيا لإعادة التفاوض على إتفاقية الحبوب بشروط أكثر ملاءمة لها، بدلاً من الدخول في إتفاقية جديدة كلياً.
يذكّر تقرير المعهد بشروط روسيا للعودة إلى إتفاقية الصفقة، ويرى أن تشديد قصف العسكريين الروس للموانئ والبنبة التحتية للحبوب الأوكرانية، وكذلك التهديد بالتصعيد في البحر الأسود، تهدف أيضاً، بين أمور أخرى، إلى الضغط على الغرب للموافقة على هذه الشروط.
يسلط التقرير الضوء على أن الكرملين يلجأ دائماً إلى الخطاب التصعيدي الذي يهدف إلى إجبار الغرب على تقديم تنازلات، وغالبًا ما يروج بعض المسؤولين لهذا الخطاب، بينما يتظاهر آخرون بالرغبة في المشاركة في المفاوضات.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن بوتين يواصل بذل الجهود لزرع الانقسامات داخل الناتو وبين أوكرانيا وحلف الناتو، وذلك من أجل أن يدعم الأخير الجهود التي أطلقها الكرملين بشأن صفقة الحبوب، وكذلك من أجل تقويض الدعم الغربي طويل الأمد لأوكرانيا.
ويبدو أنه في إطار المنهجية التي تحدث عنها تقرير المعهد الأميركي بشأن تشديد مسؤولين روس خطابهم حيال صفقة الحبوب، وإبداء آخرين حرصهم على البقاء في إطارها، نشر موقع URA الروسي الإقليمي في 16 الجاري رأياً لبروفسور روسي بشأن مقاربة روسيا لانتهاء مدة الصفقة. رأى البروفسور في مدرسة الإقتصاد العليا الروسية مكسيم براتيرسكي أن بوسع روسيا وقف العمل بصفقة الحبوب، وليس لدى موسكو أي أسباب جديدة لتمديد العمل بها. وقال بأنه لن يندهش إذا اتخذ قرار نهائي بالخروج منها، و “ثمة إحتمال لإتخاذ مثل هذا القرار”. وأكد أنه هو نفسه من مؤيدي وقف العمل بالصفقة لسببين. فهي برأيه لا تعمل، وحان الوقت لتتخذ روسيا قراراً حاسماً برفضها.
يشير الموقع إلى أن بوتين قال في حديث مع رئيس جمهورية إفريقيا الجنوبية بأن الهدف الرئيسي للصفقة بإيصال الحبوب للدول المحتاجة، لم يتحقق. وكرر ما قاله في إجتماع مجلس الوزراء الروسي في 19 الجاري من أن التعهد بإزالة العقبات من طريق الصادرات الروسية من السماد والمواد الغذائية، لم يطبق أيضاً.
“المدن”

























