لم أستطع إخماد سؤالٍ ما انفكّ يتواثب في ذهني على حين غرة، دون أن أجد له جواباً يحيطُ به وهو: لماذا الإنسان ابتدع فعل الكتابة ولم يتخلّ عنه رغم صروف الحياة؟ ولماذا يجنحُ إليه أصلاً؟ إلى أيّ حدّ يصح هذا الزعم الذي يفترض أنّ الإنسان جنح إلى الكتابة، لكي يتخفّف من أعباء الحياة، وينقل الهموم التي تنخره، وينتصرُ للمهمّش والضعيف والمقصيّ من عجلة التاريخ. ويمكن اعتبارها أقدم فعلٍ اختلقه الإنسان، وأخذ يتطور ويحملُ معاني تختلفُ باختلاف الأزمنة، ويبلور من خلاله القضايا التي نالت منه واستحوذت على تفكيره. ولا عجب إذا ما قلت إنّ البشر منذ آلاف السنين وهم يكتبون، وينشرون، ويتقاسمون أفراحهم وأتراحهم، وما تركوا قضيةً لها صلة بالإنسان إلا وكتبوا عنها دونما تقاعس أو فتور. وما زال الإنسان يكتب لحدّ الآن، دون أن يجفّ مداده، رغم أنّ هذا الفعل ضاربٌ في القدم. الجميع تقريباً يكتب، ويشاغب الورقة، وينشر؛ إذ تصدر عشرات العناوين الأدبية يومياً في العالم برمّته، لكن جلّ هذه العناوين تبرح ذاكرة المتلقي بشكلٍ سريع جداً ولافتٍ للنّظر، حيث لا تحتلها إلا بشكلٍ مؤقت.
أدرجُ في هذا المضمار مثالاً جديرا بالاهتمام، قد لا يخفى على أحد، يتمثلُ في زفّ كاتب ما، على حائطه الافتراضيّ، نبأ صدور عمله الأدبيّ، لتنهال عليه التهاني والتبريكات المزيّفة، وتتكدّس عشرات الرّسائل المنضوية على الكثير من المُداهنة، وما إن تضمحلّ هذه المشاعر المصطنعة والمخاتلة، حتى يظلّ إنتاجه الأدبي حبيس الرفوف، يتربصُ به النّسيان والإهمال، فاتحاً الباب على مصرعيه للغبار ليجثم عليه.
لم تعد الكتابة حكراً على أحد، فالكلّ في إمكانه أن يكتب. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو الآتي: ما جدوى الكتابة؟ هل يوجد جوابٌ شافٍ لهذا السّؤال المؤرق؟ ما ترك الإنسان موضوعاً أو قضية إلا واشتبك معها دارساً، ومحللاً، ومبدياً رأيه فيها بحصافة، لكن لماذا ينسى مئات الأعمال التي قرأها بتمهل وتأنٍ، أو تلك التي مرّ عليها بقراءةٍ سريعة، في حينّ أنّ ذاكرته لا تستحضرُ إلا أعمالاً أدبية قليلة، هل لأنّه يميز بين الرديء والجيّد، أم أنّ هذا ديدنُ الذاكرة؟ أم إنّه يعمدُ إلى الانتقائية؟ لا شكّ في أنّ القارئ الجيّد، والنّوعي، على مرّ تاريخه يولي عنايةً فائقة للأعمال الجيّدة، ويُعلي من شأنها، ويمنحها التقدير المستحق. رغم أنّه يضطرّ، في أحايين كثيرة، إلى مواربة كُتّاب معينين ويرفع من قيمة نصوصهم بعباراتٍ منمّقة، تتوارى خلفها حقيقة قاسية يتلافى البوح بها.
درجَ الإنسان على تقديم الأمثلة لتوضيح ما يرمي إليه. يمكن القول، إذا جاز التعبير، إنّ الكتابات الأدبية التي اشتبكت مع مشكلة تقدّم الغرب وتأخر الشرق، على سبيل المثال، وتطلّع هذا الأخير للحاق به في مرتبة الصفوة، قصد الانعتاق من أغلال الغرب الغاشم، وهي كثيرة ويصعب حصرها. لكن هل هنالك نصٌّ روائي يُضاهي تحفة الطيّب صالح «موسم الهجرة إلى الشّمال» التي بيّن فيها بجلاءٍ النفسيات العربية المهزوزة التي خلّفها المستعمر (السودان نموذجاً من خلال شخصية مصطفى سعيد) والرغبات الحادة التي حكمت الفرد العربي وهو يرمي إلى الثأر وإعادة الاعتبار لذاته، واستعادة حريّته. لذلك كانت شخصية مصطفى سعيد؛ المنهك بالقيّم القرويّة الأصيلة التي استمدها من بيئته، ميالةً للانتقام والثأر ولو عبر سلوكيات تنضوي على الكثير من الطرفة (ممارسة الجنس مع الإنكليزيات اللواتي استمالتهنّ فحولته، بينما هو رأى في ذلك ثأراً واستعادة لمجدٍ مسلوب) رغم أنّ هناك نصوصا جادّة أذكر منها على سبيل التمثيل: «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، و»الحيّ اللاتيني» لسهيل إدريس، لكنها لا ترتقي، في تقديري الشخصي، لجودة «موسم الهجرة إلى الشمال» التي اتّسمت بأناقة اللغة؛ المشبّعة بالتعابير الباذخة التي تستهوي المتلقي وتزجّ به في دواليب المتعة، بالإضافة إلى الوصف الدقيق للتفاصيل التي تجعل القارئ يرسم مشاهد في مخيلته، ناهيك عن الحبكة السردية المتوازنة المؤسسة على الورطة منذ الصفحات الأولى، ثم الفضاء الذي احتوى الشخوص، والمُشيّد بعناية فائقة والذي ينمّ عن التمكن من مقاليد الكتابة الرّوائية بلا مُدافعة.
إنّ الكتابة الأدبيّة الجادّة، والهادفة، تستلزمُ وفرة القراءات في شتى صنوف الإبداع، والتطفّل على جميع الحقول المعرفية والنهل منها ليكوّن أرضية صلبة تساعده في الخوض في أيّ قضية، وتراكم التجارب في الكتابات المسوّدة باعتبارها مرتعاً ينضج فيها أسلوب الكاتب، ويتعافى، وتختمر أفكاره ورؤاه.
بات فعل الكتابة سهلاً في ظلّ عيشنا في عالمٍ تحكمه الرّقمنة والتقانة، فأضحى الإنسان يجد نفسه مالكاً للورقة أو الحاسوب، فيبدأ في استدعاء أفكاره كيفما كانت؛ جادّة أو مبتذلة، نيّرة أو مُستهلكة، لتتدفّق من ذهنه بانسيابية، وما يفتأ أن يشاركها مع الآخر، سواء عبر تدوينات افتراضية؛ التي باتت، هي الأخرى، تمثّل شكلاً جديداً من أشكال الأدب المعاصر، أو يتجرّأ على نشرها في كتاب إلكتروني في ظلّ موجة تكنولوجية كاسحة أسهمت في تنامٍ وانتعاشٍ واضحين لمنصات النّشر الإلكتروني. والأنكى من كل ذلك هو أنْ يغامر بنشره ورقياً حتى لو اضطر لتحمّل نفقته. بيدَ أنّه يسائل نفسه: هل ما تخطه يداه يستحقّ أن يجد طريقاً للنشر؟ وهل يستحق أن ينقضّ على حيز زمني من وقت القارئ ليقرأ له؟
إنّ الكتابة الأدبيّة الجادّة، والهادفة، تستلزمُ وفرة القراءات في شتى صنوف الإبداع، والتطفّل على جميع الحقول المعرفية والنهل منها ليكوّن أرضية صلبة تساعده في الخوض في أيّ قضية، وتراكم التجارب في الكتابات المسوّدة باعتبارها مرتعاً ينضج فيها أسلوب الكاتب، ويتعافى، وتختمر أفكاره ورؤاه. حينها يمكنه النّشر بأريحية، والقارئ سيقرأ كتابة جيّدة، وزاخرة، يمكنه أن يمتح منها الكثير. وصفوة القول: إنّ قولة الجاحظ التي ذاع صيتها منذ قرونٍ انصرمت، تحتاجُ لنظرة تمعن قصد استيعاب المعاني الثاوية وراءها، وهي في حقيقة الأمر أبلغ وأدق ممّا قلت: «إنّ المعاني مطروحةٌ في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، البدويّ والقرويّ، وإنّما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ». أي موضوع، في أي حقل كان، يمكن أن يكتب فيه الإنسان، لكن الأهم من فعل الكتابة هو مدى توفر شروط الجودة في النص المكتوب، واحترامه للذّائقة العربية، التي لا تقبل إلا بالجيّد، الذي يستحقّ أن يظلّ متبوّأً الريادة.
أضرب مثالاً آخر بصراع الدين والسلطة الذي تصدّت له الرّواية العربية المعاصرة، فعلى الرغم من وفرة النّصوص الرّوائية التي انغمرت في الإشكال المذكور (مجنون الحكم لبنسالم حميش – العودة إلى كازابلانكا لفؤاد العروي نموذجين) وجودتها التي لا تناقش، ولا يختلف حولها قارئان جيّدان، إلا أنّها لا تقدر على مجاراة رواية «أولاد حارتنا» التي تجلّت قوّتها في المزج بين الأسطوري عبر استدعائه للرمزية الدينية، وتصميم فضاءٍ واقعي لها في حارات مصر، وغوصها في السردية الإسلامية معتمدةً على الرمزية والغموض والإلغاز. ومجمل القول: بصرف النّظر عن جمالية اللغة، التي تحاشت التكلّف اللغوي، فإنّها اتّصفت بالجرأة في الانغمار في مواضيع حساسة التي لا يقربها إلا كاتبٌ باسل وخبيرٌ بدروب الرواية. فهل حضرت هذه الخواص نفسها في النّصوص الأدبية التي تقاطعت مع القضايا التي انشغل بها نجيب محفوظ في هذا النّص؟ أعتقد جازماً أنّ عالم الكتابة الأدبية، والروائية تحديداً، هو عالمٌ شاسع، غير أنّ أسماءً معينة احتلّت مرتبة الصفوة ويستحيل أن تتزعزع منها، إلى حدود هذه اللحظة على الأقل، لأنّها تفرّدت في الكتابة والرؤى التي حملتها نصوصهم، وما تنضح به من إشكالات كبيرة وعميقة جداً، لا يقدر الآخرون على أن يقربوها، كما أنّ حرفة الكتابة، وتقنياتها، وجودتها، تختلفُ من كاتب لكاتب، دون نسيان الخلفية المعرفية التي ينطلق منها الكاتب، والحقل المعرفي الذي تشرّب منه، والتجارب الأدبية التي أسهمت في تكوينه، بالإضافة إلى المحيط الذي احتكّ به. وبالتالي فإني أظنّ أنّ هذه التفاصيل هي التي تصنع تميز الكتّاب ونجاحهم، وحفاظهم على منزلتهم الرّفيعة في المكتبات العربية.
كاتب مغربي

























