يعتبر الاتفاق الامني مع بغداد التعويض الوحيد الذي خرج به الرئيس الاميركي جورج بوش من حربه الخاسرة في العراق. لا بل كان مضطراً في النهاية الى التزام موعد نهائي للانسحاب الذي كان يصر حتى الامس على ان تحديد أفق له يعتبر استسلاماً لرافضي الوجود الاميركي في العراق، وان أعداء اميركا سيفسرون ذلك على انه علامة ضعف.
ولكن بجردة بسيطة يتبين ان مسار هذه الحرب كان مآله الفشل منذ البداية فهي قامت على ادعاء كاذب بوجود أسلحة دمار شامل في العراق، وعلى وجود صلة بين العراق ومنفذي هجمات 11 ايلول 2001، وعندما تبين زيف هذين الادعاءين، قال بوش انه أتى الى العراق لينشر الديموقراطية، وان العراق سيكون اللبنة الاولى في مدماك الديموقراطيات التي ستنتشر في الشرق الاوسط الموسع انتشار النار في الهشيم.
إلا ان الديموقراطيات لم تقم، فيما كان العراق يغرق في حروب طائفية ومذهبية، ويقتل مدنيوه بالعشرات يومياً. الى ان اقتنع بوش بأن ثمة دوراً يمكن ان يضطلع به خصومه داخل العراق وخارجه في تهدئة الاوضاع. ولم تكن زيادة القوات الاميركية 30 ألفاً هي العامل الحاسم في تهدئة العنف، كما يدعي الرئيس الاميركي، بل اقتراب عهده من نهايته وتلمس اشارات تغيير في السياسة الاقليمية لاميركا ما ساعد على تطبيع الاوضاع منذ ايار الماضي.
ناهيك بان بدء البحث في الافق الزمني لانهاء الوجود العسكري الاميركي كان له الاثر الايجابي في التهدئة ايضاً. وحتى باعتراف القادة العسكريين الاميركيين فإن اعداد المتسللين من سوريا هبطت الى خمس ما كانت قبل عام. ثم ان الحديث عن تهريب عبوات ناسفة خارقة للدروع من ايران قد تراجع او اختفى.
لكن الغارة الاميركية على منطقة البوكمال السورية المحاذية للعراق بالتزامن مع المفاوضات العراقية التي كانت جارية من أجل التوصل الى الاتفاق، جعل دول الجوار ترى الاتفاق موجهاً ضدها. وقد وضعت الغارة الحكومة العراقية في موقف حرج أمام سوريا وغيرها من الدول المجاورة. فهل ارادت واشنطن أن تبعث من خلال هذه الغارة برسالة مؤداها أنها ليست ضعيفة حتى وان تكن ستقبل بتحديد افق زمني للانسحاب من العراق؟
وعلى رغم الضغط الذي مارسته ادارة بوش على رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، فإن الحكومة العراقية لم تتنازل عن الافق الزمني للوجود العسكري الاميركي الذي سلمت به ادارة بوش بعد قبول بغداد بمدة طويلة نسبياً تمتد على ثلاث سنوات.
ربما كان العراقيون يراهنون على ان الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما، المستعجل لمغادرة العراق في امكانه تعديل الافق الزمني وجعله 16 شهراً وفق ما كان يطالب به خلال حملته الانتخابية.
ومهما صور بوش نفسه منتصراً في الاتفاق، فإن هذا لا يلبي في العمق طموحات من كانوا يراهنون على وجود اميركي يمتد عشرات السنين في العراق.
ان الاميركيين بدأوا يدركون انه كلما طال وجودهم العسكري في العراق انقلب المزيد من القوى ضدهم. وان انسحابهم بقدر ما كان مطلباً اقليمياً قد بات مطلباً عراقياً داخلياً ولا سيما ان بغداد باتت تدرك انه ليس في وسعها ضبط الوضع الامني والمضي في العملية السياسية من دون علاقات جيدة مع الجوار، ولا سيما سوريا التي هي العمق الاستراتيجي للعراق والعكس صحيح.
ان العراق الذي كان محور رئاسة بوش تحول محورا لفشله، وكان الاحباط الاكبر في الاعوام الثمانية المنصرمة. انها ادارة من الصعب على أحد ان يفتقدها.
"النهار"




















