في مقاله "التقدّم المدهش في العلاقة التركية – السورية… وضيق الافق اللبناني" ("قضايا النهار" 18- 9 – 2009) قدّم جهاد الزين مقاربة شديدة الحماسة والتفاؤل موغلا بعيدا في الاستنتاجات والتوقعات منتظرا الكثير من التغيير الايجابي على مستوى العلاقات الاستراتيجية بين أنقرة ودمشق، ليس فقط في السياسة والاقتصاد بل، وخصوصا، في الديموقراطية. والانطباع الاساسي الذي حرص الكاتب على تعميمه هو ان المسار التركي – السوري، قياسا على مضامين قمة الاسد – أردوغان الاخيرة وخطابيهما، سيؤدّي الى خير عميم ويشكّل نموذجا لواحة سلام اقتصادية وسياسية من أبواب أوروبا الى قلب آسيا شرقا وجنوبا.
لا نناقش في مدى واقعية هذه الرؤية الاستباقية فلعلّها تستند الى الاستفادة من عِبَر التاريخ وفرائض الجغرافية وموجبات المصالح المشتركة والقراءة السياسية البراغماتية، أو تنهض على منظومة مختلطة من الوقائع والآمال الرومنسية. لكنّ اللافت في المقاربة المصاغة باسلوب علمي هادىء اغفالها حقيقتين أو واقعين من شأن الأخذ بهما تصويب الشروح والاستنتاجات التي عرضها المقال والتخفيف من غلواء تفاؤل الكاتب، وهما حقيقة وجود اسرائيل وايران ودورهما، وواقع لبنان في اشكالية علاقته بسوريا.
أ – ايران واسرائيل
لقد اكتفى الاستاذ الزين باشارة سريعة الى "الرعاية" التركية للمسار السوري – الاسرائيلي وأغفل في الوقت نفسه الموقع المحوري لايران في مستقبل الشرق الاوسط وكأنّه يسلّم بحتميتين: حتمية اندراج سوريا في نمط العلاقة المميزة بين تركيا واسرائيل، وحتمية تذويب الصراع الاستراتيجي بين ايران واسرائيل. فالعلاقة الطردية بين تركيا وكلّ من سوريا وايران تقابلها علاقة عكسية بين الاخيرتين واسرائيل، فكيف يتم التوفيق بين نقيضين تحت السقف التركي طالما أن الكاتب رسم دورا محوريا حاسما لتركيا من اليونان غربا الى أرمينيا شرقا الى العراق جنوبا، وربما أبعد بكثير، فتكون هي القطب – المرجع، واذذاك لا بدّ من أن تفرض نموذج علاقتها باسرائيل على كل مداها الحيوي، أم أن الثنائي طهران – دمشق يفرض نموذجه على "المتروبول" التركي؟ وهذا ما لايمكن استبطانه من نص المقال، أو، على الأقل، ما لا يسهل توقّعه في الجيواستراتيجيا الشرق الأوسطية الراهنة. قد يكون الكاتب يتوق الى بحيرة سلام ورخاء اقتصادي، أو يأمل بطوق سياسي – عسكري – اقتصادي تركي – ايراني – سوري وربما عراقي على اسرائيل يجعل العرب على هامشه، على غرار الأحلاف المرتجلة قبل اكثر من نصف قرن. لا نثير هذه التحفّظات والأسئلة بهدف تسخيف "التقدّم المدهش" في العلاقة التركية – السورية بل لوضع هذه العلاقة في نصاب المؤثرات الاقليمية ولعبة الامم كي لاتصاب شعوب منطقتنا بفائض الثقة الذي يساوي انعدامها.
ب – "ضيق الافق اللبناني"
في معرض اشادته بتطوّر العلاقات التركية – السورية وتقدّمية الرئيسين السوري والتركي، لم يتردّد الكاتب في تحميل لبنان، وتحديدا بورجوازيته الاستثمارية، مسؤولية الفشل في بناء "تقدّم مدهش" في العلاقة بين بيروت ودمشق.
وفي المحاججة لا نتوقّف عند اشارته العابرة الى المسؤولية السورية عن تخلّف هذه العلاقة بل تردّيها اقتصاديا وسياسيا على مدى عقود من الوصاية المباشرة وغير المباشرة، بل يهمنا الاضاءة على الحيثيات التاريخية، التي تهمّه، والتي "قفز عنها" برغم أنها كانت في الاساس التاريخي لتقدّم العلاقات بين تركيا وسوريا، وستكون حتما في أساس بناء علاقات قوية بين لبنان وسوريا.
سها عن ذاكرة الاستاذ الزين أن حسم الورقة الكردية على عهد الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد (1998) لم يكن العامل الوحيد الذي أطلق مسار العلاقة الجيّدة بين الجارين، بل كان هناك عامل أشد حسما هو تخلّي دمشق نهائيا عن المطالبة بـ "اللواء السليب"، لواء الاسكندرون، واسقاط أي ذكر له من الادبيات السياسية السورية منذ 11 عاما ! ولو كانت مسألة "حزب العمال الكردستاني" وزعيمه أوج ألان السبب المباشر والمعلن للضغط العسكري التركي على الحدود السورية.
قد يكون لبنان في حاجة ماسة الى حسم سوري تاريخي مماثل، فيشفى الذهن السوري من عقدة "لبنان السليب". هذا هو الاساس الصحيح لبناء المستقبل بين دولتين جارتين، وعبثا البحث والتنقيب عن جذور الازمة واسقاطها على "الخاصرة الرخوة" و "وشائج التاريخ والجغرافية والقربى" حينا، و"عجز البورجوازية اللبنانية" حينا آخر. ولكن، من أين للبنان قوة تركيا العسكرية وتاريخها الامبراطوري؟
اشارة أخيرة الى تنويه الكاتب بتبادل الاعجاب بالديموقراطية بين الاسد وأردوغان. فلعلّ الديموقراطية التركية تتمدّد نحو جارتها، فتنفكّ عقدة التاريخ، وينطلق بــورجــوازيــو لبــنــان الى تحقيق النجاحات في البر السوري.




















