مؤتمر حوار الأديان والمعتقدات والثقافات في مبنى الجمعية العامة للأمم المتحدة، أتى بعد مؤتمر مدريد للحوار العالمي في حزيران/ يونيو الماضي بمبادرة سعودية.
في مؤتمر مدريد حضر أكثر من مئتي مدعو من أتباع الديانات السماوية والوضعية. وفي مؤتمر نيويورك حضر ممثلو أكثر من خمسين دولة، ناهيك عن ممثلي عدد من المنظمات الدولية والإقليمية. واللافت في هذا المؤتمر الدولي انعقاده تحت رعاية الأمم المتحدة في نيويورك وبحضور قادة الدول والحكومات، وصولاً الى (إعلان نيويورك) الذي يستند الى (إعلان مدريد للحوار العالمي). والجوهر واحد هو: نبذ العنف والإرهاب، والتركيز على العلاقات السلمية بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة.
يفترض هذان الإعلانان قبول إسرائيل لمبدأ التسوية السلمية في إطار القرارات الدولية بعيداً من الشعارات والديماغوجية. وثمة إشارات جديدة ولافتة في الشهور الماضية جديرة بالتأمل والدراسة:
1 ـ إعلان رئيس حكومة إسرائيل إيهود أولمرت انتهاء الحلم التاريخي بإقامة إسرائيل الكبرى. والاستعداد للتسوية، ودعوة الإسرائيليين الى تقديم (تنازلات مؤلمة) على حد تعبيره، وكأن الطرف الفلسطيني هو الذي احتل أراضي إسرائيلية!
2 ـ إعلان شيمون بيريز في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس المصري حسني مبارك في مدينة شرم الشيخ قبوله مبادرة السلام العربية كأساس للتفاوض. صحيح أنه لم يتبنّها حرفياً، ودعا الى التفاوض مع العرب بشأنها، بيد أنه أقرّ بأهميتها بعدما كانت حكومة شارون أعلنت رفضها للمبادرة العربية بعيد إقرارها في قمة بيروت سابقاً.
3 ـ متابعة السلطات المصرية لجهود الوساطة بين حركتي فتح وحماس، بغية التوصل الى صيغة فلسطينية مشتركة تفتح الطريق أمام تسوية مع الإسرائيليين على قضايا الوضع النهائي: القدس، واللاجئين، والحدود، والمياه، والأمن، والاستيطان الإسرائيلي… وعلى الرغم من تعثّر الجهود المصرية أخيراً حيال عقد مؤتمر الحوار الفلسطيني الداخلي في العاصمة المصرية، فإن تلك الجهود مستمرة ومتصلة، وهي تندرج في إطار التسوية السلمية الشاملة في الشرق الأوسط.
4 ـ تعهّد الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما في جولته الشرق أوسطية، أثناء حملته الانتخابية، بإيجاد تسوية سلمية للصراع العربي ـ الإسرائيلي. صحيح أنه لم يتحدث في حينه عن حل الدولتين، وأن القدس عاصمة مشتركة، بيدّ أنه سيرتكز الى مجهودات الحزب الديموقراطي في هذا المضمار، وهي بارزة منذ كامب ديفيد الأولى (1978) الى كامب ديفيد الثانية (2000).
5 ـ أخيراً التأمت اللجنة الرباعية الدولية بعد طول تأخر، وقررت ترك أمر إطلاق التسوية الى مؤتمر دولي يعقد في موسكو خلال ربيع العام 2009، مع الإشارة الى الثوابت أو المبادئ في (خارطة الطريق) و(مؤتمر أنابوليس)، وفكرة الدولتين، الى جانب (نبذ الإرهاب) كما درجت العادة في مجمل المؤتمرات الدولية والإقليمية.
ثمة مجهودات دولية متراكمة، وأفكار مطروحة حيال أعقد الأمور بما في ذلك قضيتا القدس واللاجئين. بيدّ أن السؤال الأساس هو: هل توفّرت قناعة إسرائيلية بالتسوية السلمية مع العرب؟ وهل توجد قيادة إسرائيلية قادرة على تنفيذ مشاريع التسوية؟
أطراف اللجنة الرباعية الدولية، والمجتمعون في مؤتمر حوار الديانات والمعتقدات والثقافات في نيويورك، والاتحاد الأوروبي في جميع دوله، والدول العربية، والدول الناشئة المتحفّزة للعب دور اقتصادي، وتالياً سياسي، في معالجة الأزمة العالمية الراهنة… جميعهم ينتظرون تسلّم الرئيس الأميركي المنتخب مهماته الدستورية في 20 كانون الثاني/ يناير المقبل. ومنهم من ينتظر كذلك انتخابات الكنيست الإسرائيلية في شباط، وتشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، أي أن الانتظار هو السمة المشتركة في السياسات الدولية المعنيّة بالتسوية في الشرق الأوسط.
هل الانتظار يحل المشكلات المعلقة؟ تجارب الأمس تدحض كل آمال الانتظار. لا بد من مبادرة، ولا بد من جهد يبذله العرب بمن فيهم الفلسطينيون. جهد يتخطى الانقسامات الحزبية (فتح/ حماس)، والطائفية (مسلمين/ مسيحيين)، والمذهبية (سنّة/ شيعة)، والعشائرية وما أكثرها… جهد يتخطى الخلافات العربية ـ العربية مهما كانت الأسباب والدوافع، وخصوصاً أن هذه الخلافات أخذت مأخذاً بالغاً من العمل العربي في العراق وفلسطين ولبنان والجامعة العربية. جهد يوظّف انخراط الدول الخليجية في معالجة الأزمة المالية العالمية من أجل تسوية عادلة للصراع العربي ـ الإسرائيلي، وفي سبيل نفوذ سياسي للمجموعة العربية على غرار الصحوة السياسية الأوروبية الراهنة التي تنطلق من قاعدة: من يشارك في معالجة الأزمة العالمية يجب أن يشارك في إدارة الحل والنتائج المرتجاة.
ما بين (إعلان مدريد) و(إعلان نيويورك) فسحة أمل عالمية بمغالبة العنصرية والإرهاب. لا شك هذه مهمة نبيلة، وهي في الأساس مهمة إنسانية. والحوار العالمي مطلوب لتجنّب الوصول الى الحرب… بيدّ أن مثل هذه التمنيات وهي مشروعة، تحتاج الى ضغط عالمي يؤازرها. حبّذا لو نفيد من تجربة الديبلوماسية الإسرائيلية التي توظّف أي متغيّر دولي لصالحها. ويا ليتنا نوثّق الحوار العربي ـ العربي بالتزامن مع حوار أتباع الديانات والثقافات، ونشجّع الحوار الوطني الداخلي في كل بلد عربي بدلاً من الانزلاق الى الفتن. إن ممارسة ضغط عربي إيجابي في المحافل الدولية صار أمراً لازماً لإحقاق الحق، ولتحقيق أي تقدم عربي.
"المستقبل"




















