لنتخيل أن رجلاً من الغرب التقى نظيره من الشرق وتجادلا بشأن حقوق الإنسان، سيتساءل الأول بداهة عن ماهية" الإنسان" وسيستغرق الثاني في استجواب" ما الحقوق؟". وقد باتت هذه الأخيرة الآن سلاحاً يشهر في وجه أي نظام، لا بل تقرن شرعيته باحترامها شمالاً وجنوباً. وبعيداً من الاستخدام الذرائعي والسياسي لها فقد أضحت مسألة رئيسة عند بعض المنظمات والهيئات الحقوقية التي كرست نفسها لتكون رقيباً وناظراً على مدى احترامها.
تنشر المنظمة العربية لحقوق الإنسان( تأسست عام 1983) تقريرها الدوري عن مسار هذه الحقوق في العام 2008-2009. وفي مقدمته التحليلية يشير التقرير الى أهمية اندماج الدول العربية في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان لسببين:أولهما، ما يتيحه هذا الانضمام من مراجعة أولية ودورية للتشريعات والممارسات تعزز المساءلة والتطوير. ثانيهما، أنها توفر المرجعية المشتركة لمنظمات المجتمع المدني العاملة في حقوق الإنسان لمساءلة حكوماتها والاستعانة بها أمام القضاء. ويلاحظ التقرير تباطؤ دولنا في الانضمام الى المواثيق الدولية، يقابله تطور إيجابي في مراجعة وسحب بعض التحفظات في شكل أولي على الاتفاقات الدولية. ويشير الى حساسية موضوع المحكمة الجنائية الدولية ولا سيما بعد اتهام الرئيس السوداني بالضلوع في ارتكاب جرائم حرب. وعلى الصعيد الاقليمي دخل الميثاق العربي لحقوق الإنسان حيز التنفيذ في 15 آذار/مارس 2008.
وفي شأن المراجعة الدورية الشاملة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فقد التزمت معظم الدول العربية إياها، ومن سمات هذه المراجعة أنها ركزت على المنجزات من دون ذكر الصعوبات، الأمر الذي لم يتح التعرف على طبيعة العوائق والإشكالات التي تواجه التقدم في مجال حقوق الإنسان، رغم نجاح بعض المنظمات غير الحكومية في تقديم انتقادات جوهرية على طريقة عرض ومناقشة تطور هذه الحقوق. كما يرى التقرير أن التعديلات الدستورية التي حصلت كانت في مصلحة أطراف السلطة. وينبه على استمرار حالات الطوارئ في عدد من الأقطار كعائق أمام الضمانات الدستورية للحقوق الأساسية والحريات العامة. وقد لجأت بعض الدول العربية الى توسيع نطاق تعريف الإرهاب في سبيل استخدام مكافحته في غير وظيفته الأصلية.
الأسوأ هو حال الحقوق المدنية والسياسية حيث الأولوية للأمن ولقبضة أجهزة الدولة على المواطنين. ومن الإيجابيات التي يرصدها واضعو التقرير تحديث بغض قوانين العمل للوافدين والأجانب بما يحسن من شروطهم، ولكن دون الارتقاء الى المعايير الدولية. كما جرى اصدار قوانين تحمي الأفراد من الاتجار في البشر وتهدف أيضاً الى حماية الأسرة والنساء والأطفال وخصوصاً من العنف والتعامل غير الأنساني.
يسرد التقرير حال الحقوق، فيبدأ في"الحق في الحياة" المنتهك على نطاق واسع، ومن أبرز مصادره الإرهاب ومكافحته والنزاع السياسي والأثني وعواقب الاحتلالات(الأميركي والإسرائيلي). ومن ثم"الحق في الحرية والأمان الشخصي" حيث يقبع الناشطون السياسيون في السجون ويستمر الاعتقال التعسفي نمطاً سائداً، والمفارقة أن الانتهاك لم يقتصر على السلطات الرسميَة بل قام أفراد ومجموعات باختطاف واحتجاز الناس والمطالبة بفدية( في اليمن والقرصنة في خليج عدن).أما"الحق في المحاكمة العادلة" فيعاني تبعية أعمال القضاء للسلطة التنفيذية، ما يضعف استقلال القضاء ونزاهته. كما أن قانون الطوارئ الساري المفعول في بعض البلدان فيمنع حصول المتهم على دفاع مناسب، وكذا الأمر في المحاكم الخاصة بالأنشطة الإرهابية وفي المحاكم العسكرية.
الأبرز في شأن"أماكن الاحتجاز ومعاملة السجناء" وضع السجون المتقادم واكتظاظها وغياب الرعاية الصحية اللازمة، ما أدى الى احتجاجات عدة سقط بنتيجتها قتلى وجرحى. والأخبار الطيبة هي من جهة الحريات العامة، حيث التحسن في حرية الرأي والتعبير بسبب من انتشار الصحف المستقلة والقنوات الفضائية، رغم الضغوط المسلطة على الإعلاميين والصحافيين بشكل ملاحقات وترهيب وتوقيفات تحت أي ادعاء.
أما"الحق في التنظيم الحزبي والنقابي وتكوين الجمعيات" فما زال يراوح في البلدان العربية بين المنع التام والقيود المشددة والتضييق. ويخضع"الحق في التجمع السلمي" أيضاً لقيود تتفاوت حدتها من قطر عربي لآخر. ويثير"الحق في المشاركة" إشكالية مزمنة، يمتحن فيها الدستور وشرعية الرؤساء. والحال، تابع التقرير الأوضاع في مناطق الاحتلالات والنزاعات الداخلية المسلحة: في فلسطين والعراق والسودان والصومال واليمن. ورصد التحديات التموية والبيئية المؤثرة في اعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومن أبرزها انعكاسات أزمة الغذاء العالمية والأزمة المالية وما خلفته من ركود اقتصادي على بلدان المنطقة وتقلب أسعار النفط، الى تفاقم مشكلات البيئة وفي مقدمها ندرة المياه. وقد كشفت هذه التحديات:أولاً، عن خلل هيكلي في اقتصادات المنطقة تؤثر في التنمية، وثانياً، عن وجود اختلالات جسيمة في السياسات التنموية، وثالثاً، عن تأثير قدرة الدول العربية في تلبية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
والحال، استجابت البلدان العربية هذه التحديات بأشكال مختلفة من الاجراءات والسياسات والاستراتيجيات، كل بحسب قدرته الاقتصادية والمالية وبنيته الاجتماعية، وتجلى ذلك في قرارات قمة الكويت للتنمية الاقتصادية والاجتماعية(19-20 كانون الثاني/ يناير 2009)، ورأى التقرير أنها تتسق واهتمامات المجتمعات العربية ومع كثير من الحلول التي أوردتها مراكز البحوث المستقلة في الساحة العربية، بيد أن العبرة دوماً في التطبيق.
يخلص التقرير الى أن بعض"الحقوق" قد يحتاج الى موارد مادية، لكن أغلبها يمكن تحقيقه في غيابها: اذ المساواة ومنع التمييز وتكافؤ الفرص وتحقيق العدالة لا تتطلب موارد بقدر ما تستلزم إرادة سياسية حازمة.
[ الكتاب: حقوق الإنسان في الوطن العربي
[ الكاتب: تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان عن حالة حقوق الإنسان في الوطن العربي (2008-2009)
[الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، (2009)




















