للولايات المتحدة هذه الأيام رونق خاص ترتبه عودة السياسة بزخم ومضامين حقيقية إلى واجهة الصراع المجتمعي والفضاء العام. فبعد تسعة أشهر على وصولها إلى البيت الأبيض، حانت لحظة اختبار أولى لمدى قدرة إدارة أوباما على إدخال تعديلات جوهرية تطال بعض مرتكزات السياسة الداخلية والخارجية الأميركية.
داخلياً، توجه الإدارة الشق الأكبر من طاقتها الى ملفات ثلاث هي إصلاح نظام الرعاية الصحية وضبط قواعد عمل القطاع المالي والمصرفي والشروع في تطوير استراتيجية للتعامل الجاد مع التحديات البيئية. على النقيض من كندا ودول الاتحاد الأوروبي واليابان والدول الصناعية المتقدمة في القارة الآسيوية، تظهر البيانات والأرقام الرسمية الأميركية أن مظلة الرعاية الصحية الحالية لا تمتد إلى أكثر من 45 مليون مواطن يصنفون في عداد الفقراء ومحدودي الدخل والعاطلين من العمل، ناهيك عن المهاجرين غير الشرعيين الذين يتجاوز عددهم اليوم 11 مليون شخص. كذلك تتعسف الشركات الخاصة المسيطرة على سوق الرعاية الصحية في تأمين المواطنين القادرين مالياً والتكفل بمصاريف طبابتهم إن كانوا من المرضى المزمنين أو الذين يتوقع احتياجهم قريباً لعلاج طويل الأمد. وعلى رغم مساعي وخطط بعض الإدارات الديموقراطية السابقة لإصلاح نظام الرعاية الصحية وأبرزها خطة إدارة كلينتون في التسعينات لتعميم الرعاية لكل الأميركيين، والتي تبنتها السيدة الأولى السابقة ووزيرة الخارجية الحالية هيلاري كلينتون، إلا أنها جميعاً آلت إلى إخفاق واضح إزاء رفض الجمهوريين الذين كانوا يملكون الغالبية داخل الكونغرس خلال معظم عقدي الثمانينات والتسعينات ودعم شركات التأمين الكبرى وقطاعات واسعة من اليمين الأميركي لهم. خطة الإدارة الحالية، وكما طرحها أوباما في خطابه أمام الكونغرس في التاسع من الشهر الجاري، تستند إلى جعل الرعاية الصحية شرطاً ملزماً لكل المواطنين وإجبار شركات التأمين على وضع حد لممارساتها التعسفية وتطوير برنامج لرعاية الفقراء ومحدودي الدخل تديره وإن لم تموله الحكومة الفيدرالية (يشار إليه في النقاش الأميركي بعبارة الخيار العام public option) لمنافسة برامج الشركات الخاصة.
المهم رصده هنا من جهة أولى هو حالة الاستقطاب التي نتجت عن هذا النقاش والتي فرضتها خطة إدارة أوباما على الفضاء السياسي، بين قوى اليسار والوسط المدافعة عن الخطة والتي يطالب بعضها بمد مظلة الرعاية الصحية إلى المهاجرين غير الشرعيين أو على الأقل الى أطفالهم، والقوى اليمينية والمحافظة التي ترى في الخطة تدخلاً غير مرغوب من الدولة سيرهق موازنة الحكومة الفيدرالية ومن ثم يثقل كاهل دافعي الضرائب الأميركيين بأعباء إضافية.
خلال الأسابيع القليلة الماضية بدت إرهاصات حالة الاستقطاب هذه بجلاء في تظاهرات اليسار والوسط لتأييد خطة الإدارة وتظاهرات اليمين المناهضة لها، كما في عنف خطابي غير مسبوق من أوساط اليمين السياسية والإعلامية باتجاه أوباما الذي أصبح متهماً بتبني أجندة يسارية ستزج بالولايات المتحدة إن لم تتوقف نحو تكرار التجارب الاشتراكية وشبه الاشتراكية في أوروبا والتي تؤدي الى تدخل الدولة في إدارة قطاعات المجتمع الحيوية والتي يراها اليمين الأميركي فاشلة ومناقضة لعقيدة السوق الحرة. لم يكن أيضاً مشهد امتعاض النواب والشيوخ الجمهوريين في الكونغرس أثناء إلقاء أوباما خطابه حول الرعاية الصحية وصيحات الاستهجان التي أطلقها بعضهم سوى تعبير عن نفس الحالة الاستقطابية وعن عمق صراعات الرؤى والمصالح الكامنة وراءها. من جهة ثانية، وعلى رغم صخب اليمين وعنفه الخطابي ما زالت إدارة أوباما تحتفظ بموقع المبادرة الإستراتيجية في تسيير دفة النقاش حول نظام الرعاية الصحية مدركة تمتع الديموقراطيين بغالبية داخل الكونغرس بمجلسيه (النواب والشيوخ) ستمكنها على الأرجح من تمرير خطتها قبل انتهاء العام الحالي معولة على اكتساب طرحها الإصلاحي مصداقية أخلاقية لدى أكثر من نصف المواطنين الأميركيين الذين أظهرت استطلاعات الرأي العام الأخيرة تأييدهم الرئيس.
بيد أن الإدارة لا تصارع اليمين وبعض المصالح الاقتصادية الكبرى فقط فيما خص الرعاية الصحية، بل يكاد الجوهر ذاته يتكرر في مسعى الإدارة لضبط قواعد عمل القطاع المالي والمصرفي وتطوير استراتيجية متكاملة لمواجهة التحديات البيئية. هنا أيضاً، وفي لحظة وصلت بها معدلات البطالة في الولايات المتحدة إلى 9.7 بالمئة وتجاوزت نسب الانكماش في بعض قطاعات الاقتصاد الحيوية حاجز العشرين في المئة، يلقى تشديد أوباما على أهمية إصلاح ممارسات المؤسسات المالية والمصرفية (الخطاب الذي ألقاه منذ أيام بمناسبة مرور عام على انهيار مؤسسة ليمان براذرز) وحتمية النظر إلى الصناعات والتكنولوجيا الصديقة للبيئة كمصدر رئيس للنمو الاقتصادي في الأعوام القادمة، يلقى قبولاً واضحاً بين الأميركيين يتخطى فواصل اليسار واليمين، كما دلل استطلاع أخير أجرته مجلة أميركية ونشر في عدد 21 أيلول/سبتمبر الماضي. بالقطع لن يكون التغيير في هذه المجالات سهلاً أو سريعاً وبكل تأكيد لن يأتي متكاملاً من الجولة الصراعية الأولى (ينظر الكونغرس الآن في بعض مشاريع القوانين الخاصة بالقطاع المالي والمصرفي وحماية البيئة جلها لا يرقى إلى مقام الإصلاح الجذري)، إلا أن الثابت هو أن الإدارة تعمل بجدية على وضع البرنامج الذي انتخب أوباما على أساسه موضع التنفيذ ولا تحجم عن فتح عدد من جبهات السياسة الداخلية الشائكة في وقت واحد. وعلى الهامش هنا وهناك تتواتر اتهامات من بعض رموز الديموقراطيين كالرئيس الأسبق جيمي كارتر لليمين بالعنصرية وبالنظر بدونية إلى الرئيس ذي الأصول الأفريقية، واتهامات مضادة من الجمهوريين للحزب الديموقراطي بتخويف الأمريكيين الرافضين خط الرئيس وإزاحتهم عن الفضاء العام بإلصاق تهمة العنصرية بهم، وإزاء كل هذا تبقى الإدارة هادئة ويخرج المتحدث الرسمي للبيت الأبيض منتصراً لقيمة النقاش والصراع حول السياسة ومضامينها الحقيقية بقوله إن أوباما "لا يعتقد أن المواطنين المشككين في خططه يفعلون ذلك بدافع رفضهم للون بشرته."
خارجياً، وبعد فترة شهدت الشروع في تنفيذ انسحاب القوات الأميركية من العراق وشيء من الترشيد القانوني لفعل القوة العظمى في حربها على الإرهاب وتوالت خلالها الخطابات والتصريحات الرئاسية المؤكدة على عزم الإدارة تغيير دفة السياسة الخارجية الأميركية إن باتجاه دول كبرى كروسيا والصين أو لجهة العلاقة مع العالم العربي والإسلامي، أتت الأسابيع الأخيرة الماضية بقرارين هامين لإدارة أوباما. تمثل أولهما في قبول المشاركة في مفاوضات مباشرة ومتعددة الأطراف (صيغة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا) مع حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية تبدأ مطلع الشهر القادم، بينما تعلق الثاني بإلغاء خطط بناء شبكة درع الدفاع الصاروخي في أوروبا الشرقية.
بموافقتها على المشاركة في المفاوضات مع إيران وعلى رغم تحفظها وتحفظ حكومات بريطانيا وفرنسا وألمانيا عن سلة المقترحات الإيرانية التي لم تحو جديداً بشأن البرنامج النووي، ترجمت الإدارة تفضيلها الخيار التفاوضي واستبعادها – إلى حين – اللجوء إلى العمل العسكري في التعاطي مع إيران إلى فعل ملموس لا يعدم المعارضين الأقوياء في الساحة السياسية والفضاء العام الأميركي. أصداء حملة أصدقاء إسرائيل وبعض قوى اليمين المحمومة المطالبة بعمل عسكري لإيقاف البرنامج النووي الإيراني لم تخفت على الإطلاق في العاصمة واشنطن، بل تكاد تكتسب زخماً جديداً بعد الشكوك المعلنة أخيراً من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول مدى سلمية البرنامج ويتعاطف معها قطاع واسع في الرأي العام صار ينظر الى الجمهورية الإسلامية بسلبية شديدة بعد تدويل مشاهد القمع الرسمي للمتظاهرين الإيرانيين في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأخيرة. أما إلغاء خطط الدرع الصاروخي، وبمعزل عما يتضمنه من إعادة تقييم لخطر الصواريخ الإيرانية وعن جزئية المساومة المرتبطة كذلك بإيران والمراد منها تأمين موقف روسي قريب من الرؤية الغربية قبل الذهاب إلى المفاوضات، فمغزاه الاستراتيجي الأهم هو إخراج العلاقة الأميركية الروسية من ثنائية تمدد الولايات المتحدة وتراجع روسيا في الجوار المباشر لها، والذي فرضته إدارة بوش وسبب توتراً بالغاً في علاقة الدولتين جرى تشبيهه بحرب باردة جديدة. هنا أيضاً تصطدم إدارة أوباما بمصالح عسكرية واقتصادية قوية تبنت خطط الدرع الصاروخي ودافعت عنها مراراً طوال الأعوام الماضية.
نعم ما زالت الإدارة تتعثر في ملفي أفغانستان، التي باتت تشغل حيزاً واسعاً من النقاش حول السياسة الخارجية في واشنطن، والصراع العربي – الإسرائيلي، وهي تتلمس بشأنه خطوط البدايات الحذرة وتخشى من شبهة الضغط على إسرائيل. إلا أنها دللت بقراري التفاوض المباشر مع إيران وإلغاء الدرع الصاروخي على قدرتها على إدخال تغييرات مؤثرة في السياسة الخارجية في مواجهة قوى معارضة لا يستهان بها في الداخل الأميركي.
وفي كل هذا تنتصر إدارة أوباما للسياسة بمضامينها الحقيقية وتعيد للفضاء العام الأميركي زخماً ورونقاً افتقدهما منذ دخل بوش البيت الأبيض وإلى أن خرج منه.
* أكاديمي مصري.
"الحياة"




















