قد يكون الإنجاز الأساسي للقمة الثلاثية في نيويورك أنها كانت فرصة للرئيس الأميركي باراك أوباما كي يوضح للإسرائيليين والفلسطينيين عزمه الأكيد على التوصل الى تسوية نهائية للنزاع خلال عامين. وإذا كان الرئيس الأميركي قد أخفق في الحصول على تعهد واضح وصارم من رئيس الحكومة الإسرائيلية بتجميد الإستيطان خلال الفترة المقبلة، فإنه في المقابل وضع نتنياهو أمام قرار لا مجال للتراجع عنه هو معاودة المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين خلال أسابيع. وبذلك يكون قد تجاوز العقدة التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية وتمسك بها اليمين في إسرائيل أي المطالبة المسبقة بإعتراف الفلسطينيين بإسرائيل دولة لليهود. اما في ما يتعلق بالسلطة الفلسطينية فقد استطاع أوباما دفع محمود عباس الى التخلي عن شرطه المسبق لبدء المفاوضات أي الوقف الكامل لأعمال البناء في المستوطنات، والاستعداد لمعاودة العملية السياسية في الأسابيع المقبلة.
من ناحية أخرى سمح الأسلوب الذي أدار به أوباما اللقاء الثلاثي في نيويورك رغم تشدده الظاهري لكل من نتنياهو وعباس الظهور بمظهر من أغضب الرئيس الأميركي، ومن لم يقدم تنازلات. والدليل على ذلك التصريحات التي تلت اللقاء و كرر فيها الزعيمان الإسرائيلي والفلسطيني ما سبق وقالاه في أكثر من مناسبة. ولكن بعيداً عن الإعلام فإن الأمر الأساسي الذي أدركه الرجلان في القمة مدى جدية والتزام الرئيس الأميركي في مبادرته. صحيح أنه لم يطرح كما كان متوقعاً تصوره الكامل للحل النهائي للنزاع، ولكنه في المقابل أوضح بأنه سيتدخل بصورة فعالة وكثيفة في المفاوضات المقبلة، وسينتهج أسلوباً مختلفاً عن كل الذي سبقوه من رؤساء أميركيين، فهو سيكون حاضراً بقوة لجسر الفجوات والإختلافات بين الطرفين، وسيتابع بدقة مجرى التفاوض عبر موفده الخاص الذي على ما يبدو سينتقل من الآن وصاعداً من مرحلة الإستماع ونقل وجهات نظر الفريقين، الى مرحلة أخرى مختلفة هي دفع الطرفين الى مفاوضات جدية تتناول كل المشكلات الحقيقية بعيداً عن الشروط المسبقة التي كان كل طرف يتذرع بها ويتهم الاخر بأنه المسؤول عن عدم عودة المفاوضات، وهو الذي يعرقل تقدم العملية السلمية.
ولكن على الرغم من الجدية التي أظهرها أوباما في قمة نيويورك في تحقيق حل الدولتين خلال فترة زمنية لا تتعدى العامين، فثمة اقتناع في إسرائيل أنه سرعان ما سيتبين للرئيس الأميركي أن هذا الجدول الزمني غير واقعي وغير ممكن التحقيق. فالنزاع الذي عمره أكثر من مئة عام، والذي استهلك وقتاً هائلاً من الإدرات الأميركية المتعاقبة منذ عقود، وانتج أكثر من إتفاق وتفاهمات و خطط وترتيبات بعضها سقط قبل ان يوضع حيز التنفيذ، وبعضها الآخر لم يطبق إلا بصورة جزئية ومتعثرة، هذا النزاع المعقد بحاجة الى اكثر بكثير من الخطاب الحماسي لأوباما ومن كلام القاسي "التأنيبي" الذي وجهه الى كل من نتنياهو و عباس. فهو بحاجة أيضاً وقبل كل شيء الى زعامة تاريخية في إسرائيل والسلطة الفلسطينية قادرة على إتخاذ القرارات المصيرية بشأن مسائل خلافية جوهرية في النزاع مثل الحدود بين الدولة الفلسطينية المستقبلية وإسرائيل ووضع القدس ومسألة اللاجئين. هذه هي المسائل الخلافية الجوهرية وليس بناء وحدات سكنية جديدة في المستوطنات كما صوره الإسرائيليون طوال الفترة الماضية.
يتمتع الإئتلاف اليميني الذي يحكم اليوم إسرائيل بغالبية كبيرة داخل الكنيست وهو قادر على الحصول على التأييد الجارف للرأي العام الإسرائيلي في حال وافق على الأسس التفاوضية التي يضعها الأميركيون لعودة الحوار مع الفلسطينيين، أي التنازل عن الشروط المسبقة، وتجميد الإستيطان، والدفع قدماً بالعملية السياسية مع السلطة الفلسطينية. ولكن لا مؤشرات تدل على أن حكومة نتنياهو تنحو في هذا الإتجاه. ثمة اختلاف واضح بين الأجندة السياسية لحكومة نتنياهو والأجندة السياسية لإدارة الرئيس أوباما. وإذا كان حل النزاع الفلسطيني -الإسرائيلي هو"مصلحة أميركية" كما قال الرئيس اوباما، فإن الخطر الإيراني هو الذي يأتي في رأس جدول الأعمال السياسي لحكومة نتيناهو التي تؤمن أن المرحلة الحالية هي مرحلة" إدارة النزاع" والحلول المرحلية وليس التوصل الى الحلول النهائية. والأكيد أن إئتلافاً هشاً كالذي يقوده نتنياهو الذي يواجه معارضة ورفضاً من جانب أعضاء حزبه بالذات، لا يستطيع "التورط" في مفاوضات حول الحل النهائي.




















