أول ما يمكن استنتاجه من القمة الثلاثية التي جمعت أوباما ونتانياهو وعباس في نيويورك، ومن خطاب الرئيس الأميركي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ان الديبلوماسية الاميركية التي اشاعت اجواء من التفاؤل خلال الأشهر القليلة الماضية وعبرت عن رغبتها في لعب دور فاعل وايجابي في معاودة مفاوضات السلام على أسس متوازنة، تخلت بسرعة عن هذا الدور مع بروز أولى الصعوبات، وانكفأت الى موقع المتفرج على «كباش» غير متكافئ لن يفضي اذا بدأ سوى الى تكريس واقع يفترض ان يهدف التفاوض الى تغييره.
فالضغوط التي أمل الفلسطينيون والعرب في ان تمارسها الادارة الاميركية الجديدة على اسرائيل لاستئناف المحادثات انطلاقاً من تصحيح بسيط في الخلل الهائل في ميزان القوى بينها وبين السلطة الفلسطينية يقوم على مجرد تجميد موقت للإستيطان، تلاشت تماماً لدى اصطدامها بالموقف الاسرائيلي الحقيقي المختلف عن حديث الرغبة في السلام، وتحولت الى مجرد مناشدة «لإبداء المرونة والمنطق وروح التسوية».
وبكلام آخر، نجح الاسرائيليون في «تحييد» المسعى الاميركي وكبح اندفاعه وتقليص مفاعيل «المقاربة الجديدة» لأزمة المنطقة، بعدما حاولوا أولاً قصره على مطالبة العرب بأثمان تطبيعية في مقابل وعود غامضة. وجاء التأكيد العربي بأن محاولة تحقيق السلام اعتماداً على خطوات لبناء الثقة «لم تنجح خلال العقود الثلاثة السابقة ولن تنجح اليوم» ليفشل رغبة اسرائيل في وضع العربة قبل الحصان. وظهر لاحقاً ان الدولة العبرية ليست مستعدة لتسهيل اي نقاش حول مسائل الوضع النهائي وخصوصاً القدس، قبل ان تستكمل التغييرات على الارض، من توسيع للمستوطنات القائمة وتمهيد لاستقطاع المزيد من اراضي الفلسطينيين، وبما يلغي مسبقاً احتمال الحصول على اي «تنازلات» من جانبها.
وتلخص الرسالة التي وجهتها السعودية الى اعضاء في الكونغرس الاميركي حول عملية السلام، في شكل واضح الأسلوب الإسرائيلي في المماطلة وكسب الوقت: عدد المستوطنين كان خمسة آلاف عند التوقيع على معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979، ومع انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991 ارتفع عدد المستوطنين إلى 100 ألف، وفي عام 2007، مع انعقاد مؤتمر أنابوليس في الولايات المتحدة، زاد العدد إلى مئتي ألف مستوطن. وهكذا يرتفع الرقم تدريجاً مع كل محطة من محطات «السلام» بحيث تلغي كل واحدة ما جرى التفاوض عليه في سابقتها.
سبق للادارات الاميركية المتعاقبة ان مارست ضغوطاً على تل ابيب لدفعها الى التفاوض، واستخدمت في ذلك ضمانات القروض لاسرائيل من المصارف الاميركية (تسعة بلايين دولار حصلت عليها من ادارة بوش في ذروة الانتفاضة الفلسطينية في 2002) والتي خصصت ولا تزال لدعم الاستيطان وبناء جدار الفصل وبقي منها اكثر من بليون دولار حتى عام 2011.
ومع ان تجميد الضمانات او التهديد به لم يفض عملياً سوى الى نتائج محدودة لم تلبث اسرائيل ان تراجعت عنها، فإن بإمكان واشنطن، اذا قررت التخلي عن «لطفها الزائد»، استخدام وسائل ضغط متعددة تستطيع بها «اقناع» نتانياهو بتمهيد الظروف لمعاودة المفاوضات، اذا اخذنا في الاعتبار الروابط الاستراتيجية بين البلدين.
وقد يقول البعض في ادارة اوباما ان الفشل في فرض مسألة اجرائية «بسيطة» مثل التجميد الموقت للاستيطان، يصبح مقبولاً اذا كان يسمح ببدء مفاوضات مباشرة حول قضايا الوضع النهائي، غير انه يتجاهل بذلك الرابط الحيوي الذي يقيمه الاسرائيليون بين الاستيطان وبين الأمن، والذي يجعل من المستحيل البت في هذه القضايا من دون التخلي عنه.
"الحياة"




















