يروي الرئيس شمعون بيرس ان باراك اوباما "تأثر جدا" بمبادرة السلام العربية عندما حدثه عنها في لقائهما في القدس. رئيس الليكود بنيامين نتنياهو يروي ان اوباما تأثر جدا بمبادرة "السلام الاقتصادي" الخاصة به. ثمة تناقض بين الفكرتين: مبادرة الملك السعودي، التي يحاول بيرس حثها، تدعو الى انسحاب إسرائيلي من كل المناطق الفلسطينية، بما في ذلك شرقي القدس، والى حل "عادل ومتفق عليه" للاجئين، وفي المقابل تعد بالطبيع. أما مبادرة نتنياهو تدعو الى التنمية الاقتصادية للضفة الغربية على أن تواصل إسرائيل السيطرة على المناطق الفلسطينية في الضفة، وعلى أن تؤجل التسوية الدائمة الى أن يتخلى الفلسطينيون عن "حق العودة" ويعترفوا بإسرائيل كدولة يهودية، اي حتى مجيء المسيح.
لدى بيرس، تقسيم القدس يأتي في البداية والتنمية الاقتصادية في النهاية. لدى نتنياهو الاقتصاد يأتي في البداية وتقسيم القدس لا يأتي ابدا. فقد تعهد بعدم بحث موضوع القدس من أساسه.
اذن من منهما على حق، نتنياهو ام بيرس؟ يبدو أن لا احد منهما. اوباماه زار إسرائيل في تموز، عندما كان انتصاره في الانتخابات يبدو بعيدا، وحاول جاهدا الا يتورط والا يثير غضب احد. يمكن أن نتكهن بانه على جري عادة الاميركيين، كان مؤدبا وقال لمضيفيه " هذا مثير جدا للاهتمام" تعليقا على الاقتراحات التي عرضوها عليه. وهكذا خرجوا راضين فيما هو لم يتعهد بشيء. الان اوباما هو الرئيس المنتخب، وفي العالم بأسره ينشغل السياسيون، الخبراء والمستشارون في محاولات جره الى جانبهم. لو كان يقرأ كل اوراق العمل التي اعدوها من اجله، لكان بحاجة الى عشر سنوات في البيت الابيض.
ثمة سياق سياسي لمبادرات السلام المقترحة بيرس ونتنياهو، وهذا السياق يرتبط بالتنافس على زعامة إسرائيل. اذا ما تبنى اوباما المبادرة العربية فانه سيعزز تسيبي ليفني، التي تؤيد التسوية الدائمة والانسحاب العميق من المناطق في الضفة، وسيوضح بان مواقف نتنياهو تقود الى الصدام مع اميركا. واذا تحدث ايجابا عن السلام الاقتصادي، فسيعزز ادعاءات نتنياهو بانه قادر على تسوية أموره بشكل جيد مع اوباما.
المبادرة العربية ليست جديدة، وقريبا سيصبح عمرها سبع سنوات. السفير الاردني في إسرائيل، علي العايد، هو أكثر العناصر نشاطا في القدس في كل ما يتعلق بالمبادرة. مملكته طبعت ترجمة عبرية رسمية للمبادرة وهو التقى مع خمسين عضو كنيست كي يعرضها عليهم.
يعتقد المؤيدون الإسرائيليون للمبادرة العربية بانها اذا شكلت "مظلة" للمحادثات مع الفلسطينيين فستسهل الأمور أمام تحقيق التسوية، وذلك لانه سيكون من الاسهل على الجمهور الإسرائيلي أن يؤيد التنازلات وتقسيم القدس اذا كان المقابل الحصول على سلام شامل مع العالم العربي. ولكن واضح لهم ايضا ان هذا ليس بديلا عن المفاوضات المباشرة والعنيدة مع الفلسطينيين على "قضايا اللباب".
إن إعادة طرح المبادرة العربية ومحاولة تسويقها لاوباما يتداخلان مع الجدال على سلم الاولويات في الادارة الاميركية القادمة: هل ينبغي معالجة ايران أولا وبعد ذلك النزاع الإسرائيلي ـ العربي، كما يقترح نتنياهو؟ هل ينبغي معالجة "فلسطين اولا" من اجل تخفيف العداء تجاه اميركا في العالم العربي والاسلامي؟ ام ينبغي الانشغال بالمسألتين بشكل متواز وفق نهج اقليمي يفترض أن معالجة الفلسطينيين سيسهل على الدول العربية تأييد الخطوات الاميركية ضد ايران، ومعالجة ايران سيسهل على إسرائيل الانسحاب من مناطق في الجولان وفي الضفة؟
وزير الخارجية البريطاني دافيد ميلبند الذي زار القدس هذا الاسبوع، يؤيد النهج الشامل: ايران ستتنازل عن النووي وإسرائيل عن الاحتلال. وبرأيه، لا يمكن الانتظار في مسألة الفلسطينيين، لان الموضوع حاسم بالنسبة لتحسين العلاقات العربية مع الغرب، ولا يمكن الانتظار في موضوع ايران، بسبب تقدمها السريع نحو القنبلة.
ثمة مؤيدون كثر لنهج "الصفقة الشرق اوسطية الشاملة" في المعسكر المحيط باوباما، ولكن رأيهم لا يلزمه. سيضطر اوباما لأن يقرر اذا كان سيعرض موقفا واضحا قبل الانتخابات في إسرائيل وأن يحاول التأثير على نتائجها ـ ام ينتظر اللقاء مع رئيس الحكومة القادم وينسق معه سياسته.
("هآرتس" 20/11/2008)




















