نصير الأسعد
ثمة شعور عميق لدى الشطر الأعظم من اللبنانيين بأن السلم الأهلي في دائرة أخطار كبرى هذه الأيام. ويزدادُ هذا الشعور عمقاً مع اقتراب عدد من الإستحقاقات الإقليمية الداهمة.
"الكباش" الدولي ـ الإيراني.. والانزلاقات الحربية
الخميس المقبل في الأول من تشرين الأول ينعقدُ في تركيا الاجتماع الدولي للدول الست للبحث في الملف النووي الإيراني ولتحديد مستقبل العلاقة الدولية الإيرانية. وينعقدُ الاجتماع وسط مقدمات تفيد أن ثمة توحداً دولياً غير مسبوق حيال "الخطر النووي الإيراني".
ويتأسس هذا التوحد الدولي غير المسبوق على تشدد إزاء قدرة إيران على امتلاك السلاح النووي في أمد منظور.
قبل ذلك بأيام، أي في الأسبوع الماضي، قام الرئيس الأميركي باراك أوباما بمحاولة أولى للتمهيد لإنطلاقة متجددة للعملية السلمية في الشرق الأوسط. لكنه فشل في دفع الحكومة الإسرائيلية باتجاه السلام إذ فشل في ثني بنيامين نتنياهو عن متابعة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية.
ومع أن هذا الفشل لا يعدُّ "نهائياً" إذ أكد أوباما أن السلام الإقليمي "قضيته" وأن إدارته "ملتزمة" العمل لتحقيقه، فان "اللحظة" الراهنة بين عدم وضع العملية السلمية على "السكة" من جهة وبين إرتفاع عوامل التوتر من جهة ثانية، إنما تشكل مناخاً مؤاتياً لما يمكن تسميتُه إنزلاقات حربية في المنطقة.
بين "الكباش" الدولي الإيراني من ناحية وأخطار الإنزلاقات الحربية في الإقليم من ناحية أخرى، يبدو الوضع اللبناني بلا "منعة" ذاتية بالمطلق. أي، إذا كانت الإستحقاقات الإقليمية الداهمة التي ورد ذكرها في المقدمات السالفة تشكل "المصدر الخارجي" للأخطار على لبنان وسلمه الأهلي، فان "المصدر الداخلي" للأخطار ذو "منشأ متعدد".
لبنان بلا مرجعيات ولا "مركز قرار"
ليس فقط هناك سلاح، أو فائض سلاح بين أيدي مجموعة طائفية لبنانية، وهو سلاحٌ للاستخدام بوظيفة إقليمية وبغايات داخلية أيضاً، بل يبدو البلد بلا مرجعيات "ضامنة" في أي شيء. لا اتفاق الطائف يمثل مرجعية إجماعية، ولا الدستور يشكل مرجعية إجماعية، ولا إجماعات تم التوصل اليها في أوقات سابقة تمثل مرجعية يعتدّ بها، ولا القرارات الدولية الخاصة بلبنان لا سيما القرار 1701 تشكل مرجعية أيضاً. وذلك كله بصرف النظر عن مواقف لفظية من هنا أو من هناك تعلن إنتساب أصحابها الى الطائف والدستور.
وفوق ذلك كله وبنتيجته "يستقبل" لبنان التطورات الخطيرة من حوله بلا "مركز قرار" في ظل التعطيل الذي تعرضت له عملية تشكيل الحكومة منذ أكثر من ثلاثة أشهر.
وعيٌ عالٍ للسلم الأهلي
في مثل هذه "الأجواء" جميعاً، تصبح حماية السلم الأهلي على صعوبتها أولوية مطلقة. فكيف يمكن للسلم الأهلي أن يُحمى إذاً؟
بدايةً لا بد من التنويه بأن في البلد وعياً عالياً لمسألة السلم الأهلي، بين الذين تناولوا هذا العنوان علناً أو أولئك الذين لم يتناولوه علناً ومباشرةً.
وجيّد أيضاً في إطار تسجيل هذا الوعي العالي بالسلم الأهلي أن أياً من الفرقاء الأساسيين على صعيد التمثيل السياسي لطوائفهم ومذاهبهم، لم يرفع رداً على وجود السلاح بين أيدي فئة بذاتها أحد عنوانَي التسلح المضادّ أو "الأمن الذاتي"، وبقي الرد في إطار التمسك بالدولة.
بين المداراة والمراوحة
ومع ذلك، أي مع ملاحظة الوعي العالي لمسألة السلم الأهلي، كاد النقاش في أولوية حماية السلم الأهلي ينحصرُ في "رأيين". الأول يبدو وكأنه يتعاطى مع المصدر الداخلي للخطر المتمثل بالسلاح على انه قدرٌ لا فكاك منه، فلم يكتفِ هذا الرأي بمداراة السلاح وأصحابه ومراعاتهم ولا بمحاولة الالتفاف على السلاح باتجاه كسر التشنج بشأنه، بل بدا مستعداً لـ"إسترضائه" بتنازلات سياسية وطنية عدة. أما الثاني فقد بدا، وقد استند الى رفض مبدئي لوجود السلاح خارج المؤسسات الشرعية للدولة، غير قادر على إطلاق ديناميات جدية موصلة الى نقل السلاح الى داخل الدولة، بما أن الفريق المسلح لا يريد ذلك.
..مقاربة جديدة لحوار شامل
ثمة مقاربة جديدة تفرض نفسها.
بعضٌ من هذه المقاربة الجديدة مستمد من تجربة الإستشارات الحالية التي يجريها الرئيس سعد الحريري بعد تكليفه الثاني. و"توحي" التجربة بأن الرئيس الحريري يتشاور مع الفرقاء السياسيين حول الحكومة العتيدة كلاً متكاملاً: مهامها وخططها وتوازنها وتشكيلها بإستعادة شبه تفصيلية للطائف ومندرجاته.
فإذا كان الاستنتاج بشأن الصيغة الراهنة للإستشارات الحكومية صحيحاً، فإن المقاربة الجديدة يُفترض أن تعني حواراً لبنانياً شاملاً كل شيء، حواراً "سلّة" كاملة. فمن الواضح أن اقتصار الحوار الوطني على عنوان وحيد هو "الإستراتيجية الدفاعية" لم يعُد مجدياً. وفي الأساس إن المسألة ليست مسألة حوار حول أفضل إستراتيجية عسكرية. في الاصل إن النقاش ينبغي أن يكون حول إنخراط الجميع في الدولة وضمانات الجميع للجميع، وهذا يشمل عناوين عدة بما في ذلك تطوير الصيغة في إطار اتفاق الطائف ومن ضمن آلياته.
يبدو إذاً أن عملاً وطنياً بحجم المحافظة على السلم الأهلي بات ملحاً في موازاة تشكيل الحكومة والأهم بعده إن تيسّر التشكيل باتجاه إطلاق ديناميّات الطائف من عقالها.




















