لم يكن الرئيس السوري بشار الاسد متحمساً لتلبية دعوة العاهل السعودي عبدالله بن عبد العزيز لزيارة المملكة والاشتراك في حفل افتتاح جامعة العلوم والتقنية التي تحمل اسمه، او بالأحرى كان الميل الراجح عنده الامتناع عن الزيارة والتمثل إما بسفير سوريا في الرياض او بشخصية ذات مستوى رسمي ارفع. هذه على الاقل كانت المعلومات التي توافرت عند جهات لبنانية عدة وأخرى عربية في مقدمها رئاسة الجمهورية اللبنانية استنادا الى عدد من العارفين والتي ربما كان لها دور في اعتذار الرئيس ميشال سليمان في آخر لحظة عن تلبية الدعوة. وكان قَبِلَها عندما وجهت اليه. لهذا السبب بذل رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان جهودا مع الرئيس السوري لاقناعه بتلبية الزيارة. كما ان العاهل الاردني عبدالله الثاني ربما يكون بذل جهوداً مماثلة.
وسواء كانت هذه المعلومات صحيحة أو لا، وصحتها راجحة على ذمة العارفين انفسهم ومصادر مطلعة عدة، فان الرئيس الاسد فاجأ الجميع وربما الحكم في العربية السعودية بتلبية دعوة مليكها في الثالث والعشرين من الشهر الجاري متجاوزاً بذلك البرودة في العلاقة معه. وهي كانت عادت بعد اخفاق المسعى السعودي – السوري الهادف الى تسهيل ولادة الحكومة اللبنانية بسبب تراجع الرياض عن الذي كانت التزمته بعد اكتشافها نتيجة مواقف حلفائها في لبنان وموقف كل من مصر واميركا ان كفة الربح في الالتزام مالت كثيراً الى سوريا وحلفائها اللبنانيين وكانت على حساب السعودية وحلفائها اللبنانيين، وكذلك بسبب تأكدها من استمرار السياسة اللبنانية لسوريا التي كانت دائماً محل انتقاد سعودي ومعارضة لبنانية. وكانت مفاجأته مهمة. ذلك انه بدا متجاوزاً الاخفاق الذي حصل وراغباً في الرد على المصالحة التي بادر العاهل السعودي الى اجرائها معه في قمة الكويت الاخيرة بخطوة من نوعها تساعد في عودة الثقة بين زعيمي البلدين وتالياً في عملهما معاً على محاولة حلحلة مشكلات عدة هما طرفان فيها مباشرة ومداورة ولكن بطريقة تحفظ المصالح الحيوية والاستراتيجية لكل منهما. كما بدا حريصاً على تلافي تحميله مسؤولية تعثر استعادة العلاقة بين بلاده والسعودية طبيعتها وعلى تلافي تحميله مسؤولية فشل اللبنانيين في تأليف حكومة رغم مرور قرابة ثلاثة اشهر على انتهاء الانتخابات النيابية. وهي مسؤولية حمّلتها اياه وان على نحو غير مباشر جهات مصرية وسعودية واميركية وحتى اوروبية وخصوصاً عندما زادت من "عيار" (Dose) تأكيد رفض اجراء اي صفقة معه على حساب لبنان او من "عيار" تسريب اخبار عن عودة البرودة الى علاقاته الاميركية والاوروبية رغم استمرار قرار الانخراط في حوار معها بل التفاهم معها في واشنطن وغيرها من العواصم الكبرى.
الى ذلك كله بدا الرئيس الاسد كأنه رمى الطابة من جديد في ملعب العاهل السعودي. اذ بعد زيارته هو المملكة وان لمناسبة تربوية هي افتتاح جامعة متقدمة جداً وبعد اجرائه محادثات سياسية مع مليكها صار من الضروري ان تبادر الرياض الى الرد على هذه الخطوة الايجابية بأخرى من نوعها. اي بقيام الملك عبدالله بن عبد العزيز بزيارة سوريا. وبذلك تربح سوريا بشار الاسد اذ تستعيد علاقتها مع السعودية حرارة افتقدتها من زمان وربما تنجح هذه المرة في التفاهم مع المملكة على حل للازمة الحكومية في لبنان. وهي تعرف سواء لأن ميزان القوى صار "طابشاً" لمصلحة حلفائها او لأن الاهتمامات العربية صارت اكبر من لبنان او لأن اميركا واوروبا والمجتمع الدولي بدأوا حواراً مع دمشق يريده الفريقان ان ينجح ولأن مسؤولين لبنانيين كباراً صاروا في وارد تموضع اقليمي جديد او على الاقل تفهم جديد لمحور اقليمي معين، تعرف ان اي حل، يتم التوصل اليه للأزمة الحكومية او لغيرها سيكون بدوره "طابشاً" نحوها.
هل الاسباب المذكورة اعلاه هي الوحيدة لتلبية الرئيس السوري دعوة العاهل السعودي لافتتاح جامعة متقدمة تحمل اسمه الاسبوع الماضي؟
يبدو استناداً الى متابعين اميركيين وبدقة للاوضاع في العالم العربي وكذلك للحركة السياسية في واشنطن ان الرئيس باراك اوباما بادر وقبل اطلاع رئيسي روسيا وفرنسا ورئيس حكومة بريطانيا في نيويورك على اخبار المفاعل النووي الايراني الجديد القريب من مدينة قم الى توجيه رسالة (Message) الى الرئيس السوري بشار الاسد ابلغ اليه فيها انه لن يعود في وضع القادر على ضبط او كبح اسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو اذا امتنعت الجمهورية الاسلامية الايرانية عن التعاون الجدي مع المجتمع الدولي في موضوع ملفها النووي. وابلغ اليه فيها ايضاً ان القادة الحاليين في اسرائيل مصممون على استخدام الوسائل العسكرية لتدمير ما يمكن تدميره من المنشآت النووية الايرانية بل من البنى التحتية العسكرية وغير العسكرية ايضاً. وابلغ اليه فيها اخيراً ان هؤلاء القادة مستعدون للهجوم على "حزب الله" اللبناني ومقاتليه اذا هب لنجدة ايران بألوف الصواريخ التي يمتلك في حال تعرضها لضربة عسكرية اسرائيلية. هذه الرسالة من اوباما للأسد، يعتقد المتابعون الاميركيون انفسهم ربما كانت علاقتها بزيارة الاخير للمملكة العربية السعودية أكبر من علاقة اي موضوع آخر بها. ذلك ان الرئيس السوري قلق من احتمال تحوله ضحية غير مقصودة اذا اندلع الصراع العسكري في الربيع على الارجح بين اسرائيل من جهة وايران الاسلامية و"حزب الله" من جهة اخرى.
طبعاً لا يعرف هؤلاء المتابعون ماذا ينوي الرئيس الاسد ان يفعل لمواجهة كل ذلك. لكنهم يعرفون امراً واحداً اكيداً الآن هو انه سيحاول التأكد من صحة المعلومات التي يقال ان الرسالة المشار اليها تضمنتها، علماً انه لا بد من محاولة معرفة امر آخر هو: هل ان خبر "الرسالة" اياها اكيد وصحيح!
سركيس نعوم
sarkis.naoum@annahar.com.lb




















