يشكل تقرير جولدستون الذي نشرته الأمم المتحدة وتضمن توثيقا كاملا للجرائم التي ارتكبتها إسرائيل أثناء عدوانها الوحشي على قطاع غزة امتحانا حقيقيا لقدرة المجتمع الدولي والشرعية الدولية على ضبط الجرائم التي ترتكبها الدولة العبرية في تحد مباشر لكل القيم الأخلاقية ومبادئ القانون الدولي.
من المنتظر أن يتم التصويت اليوم في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة على إحالة التقرير إلى المحكمة الجنائية الدولية التي تتمتع بالسلطة اللازمة لاستدعاء المسؤولين الإسرائيليين عن هذه الجرائم وخاصة القادة العسكريين الذين اصدروا أوامر القتل والتدمير ، ومن الواضح أن التصويت سيكون صعبا خاصة بعد الحملة السياسية الشرسة التي شنتها إسرائيل على التقرير. ولكن هناك دلائل على تنامي رغبة سياسية دولية في الأمم المتحدة في أن تتحمل إسرائيل المسؤولية أخيرا عن جرائمها في المنطقة حيث يبدي معد التقرير ريتشارد جولدستون وهو قاض متميز من جنوب افريقيا ومن أصول يهودية وتعيش ابنته في إسرائيل نشاطا كبيرا في عدم الرضوخ للابتزاز الإسرائيلي وهو الذي اصر على تحويل التقرير للمحكمة الجنائية.
يقول السيد جولدستون محقا بأن المشكلة في الشرق الأوسط أنه لا توجد مساءلة ومحاسبة على الجرائم ، وهذا ينطبق بشكل اساسي على إسرائيل التي لم تتوقف يوما عن ارتكاب الجرائم البشعة ضد الإنسانية في غياب تام للشرعية الدولية وقدرة المجتمع الدولي على تحقيق العدالة. ولكن إسرائيل تحاول حاليا التهرب من نتائج هذا التقرير من خلال إدعائها تشكيل هيئة تحقيق داخلية من شبه المؤكد أنها ستخرج باستنتاجات حول عدم مسؤولية الجيش الإسرائيلي عن الجرائم وتوجيه التهمة إلى المقاومة الفلسطينية ونعتها بالإرهاب. كما هدد نتانياهو بصفاقة أن إسرائيل سوف "تمتنع" عن اتخاذ مبادرات نحو السلام – وهي لم تتخذ أية خطوة أساسا حتى الآن – في حال تمت إحالة التقرير إلى محكمة الجنايات الدولية.
من المهم أن يحظى تقرير جولدستون بدعم عربي في أروقة الأمم المتحدة وفي كافة المحافل الدولية السياسية والإعلامية لأنه أداة مهمة في فضح الجرائم الإسرائيلية ويتماشى تماما مع مبادئ الشرعية الدولية التي يتم التغني بها يوميا ويتم تطبيقها بشكل سريع ومؤثر ضد بعض الدول والجماعات ، ولكن إسرائيل بقيت دائما تتمتع بحصانة سياسية تجاه المساءلة الدولية وقد حان الوقت الآن لإنهاء هذه الحصانة وكشف الحقائق بدون تزييف وكذب.
في حال تم رفض تحويل التقرير إلى محكمة الجنايات الدولية يجب أن تمتلك الدول العربية وكافة الجهات المؤمنة بالحق الفلسطيني والرافضة للعدوان الإسرائيلي وهي جهات كثيرة في العالم القدرة على نقل الملف إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة على الأقل من أجل ردع إسرائيل عن ارتكاب جرائم جديدة في حال لم تكن هناك إمكانية لمحاسبتها على الجرائم المرتكبة في غزة لأن آلة الدمار والقمع الإسرائيلية تبقى جاهزة دوما لارتكاب الجرائم بغض النظر عن الحجة التي تتغير في كل مرة.
لقد أن الأوان للمجتمع الدولي والشرعية الدولية أن يقفا بوضوح ضد العدوان الإسرائيلي لأن المبادئ التي تحكم القانون الدولي هي التي يجب أن تسود في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه وليس قانون الغاب والابتزاز ، وهذا ما يؤكده الأردن في كافة المبادرات الدولية التي يقوم بها من أجل دعم الشعب الفلسطيني وقضيته والاستناد الدائم إلى مبادئ الشرعية الدولية من أجل حماية مصداقيتها التي يهددها الاستخفاف الإسرائيلي. ولكن تقرير جولدستون يشكل واحدة من الفرص النادرة التي يمكن فيها للقانون الدولي أن يأخذ مجراه بعدالة ضد أكثر الدول المارقة في العالم ، وحتى في حال تسببت الولايات المتحدة وغيرها في إفشال هذه المساعي في الأمم المتحدة فإنها يمكن أن تتحول إلى حملة عالمية عابرة للقارات تشكل أكبر إدانة ممكنة للجرائم الإسرائيلية.
الدستور الاردن




















