غسان شربل
في مطار هيثرو استوقفني عراقي من قراء «الحياة». قال إن صحيفتنا تنقل التطورات في بلاده لكنها لا تسلط الضوء على الموضوع الأكثر أهمية وخطورة وهو احتمال فشل محاولة إعادة بناء الدولة في العراق بفعل التدخلات التي تذكي الانقسامات الداخلية. أعرف بحكم المتابعة أن العراق يعيش ظروفاً صعبة وأن المرحلة الانتقالية محفوفة بالصعوبات لكنني لم أكن قلقاً الى الدرجة التي لمستها لدى المتحدث.
ظننت للوهلة الأولى أن الرجل من أولئك الذين توقعوا أن يؤدي اقتلاع نظام صدام حسين الى ولادة ديموقراطية هادئة ومستقرة. وأن مجريات الأحداث قد خيبته. شعر أنني قد أغرق في التكهنات والتفسيرات فشرح وجهة نظره.
قال: «أنا عراقي من النجف. كنت أكره نظام صدام ولا تراودني أبداً مشاعر الحنين إليه. لا يزال ذكر اسم صدام يستفزني. لكن موضوع صدام انتهى ولا فرصة لولادة صدام جديد. ثم أن فصل الاحتلال يتجه نحو نهايته. أميركا تريد المغادرة ومن يعرف العراق جيداً يدرك استحالة قيام قواعد عسكرية أميركية دائمة في هذا البلد. ما يقلقني أكثر هي الاختراقات التي تعرض لها النسيج العراقي. تفكك البلد تماماً. واستسلمت كل مجموعة مذهبية أو عرقية لمخاوفها أو مطالبها أو رهاناتها الخارجية».
طلبت منه ان يكون أكثر وضوحاً فقال:»أنا شيعي من النجف لكنني عراقي وأتحدث بهذه الصفة. أعتبر إيران دولة جارة وأعارض كل كلام متعصب أو متشدد ضدها. أعارض من يريد تصويرها خطراً طبيعياً على العراق. وأعارض من يعتبر أن الدولة العراقية يجب أن تبنى على قاعدة الاستعداد الدائم لمواجهة الخطر الايراني. لا أريد اعتبار إيران خطراً بل أريدها جارة تقوم بيننا وبينها أفضل أشكال التعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي. لكن التمنيات شيء وما يجري على الارض شيء آخر».
وأضاف: «بصراحة أستطيع أن أؤكد لك أن الدولة العراقية لا تبدو قريبة. وأن المؤسسات خصوصاً الامنية منها مخترقة. وأن المواطن العادي بات يلمس تزايد الثقل الإيراني في القرار العراقي الداخلي. وان الدور الإيراني في بعض محافظات الجنوب صار سافراً وإن تم في كثير من الأحيان عبر أدوات محلية. وبكل بساطة أقول لك أنا لا أقبل ذلك فأنا عراقي وعربي وأريد العراق دولة سيدة على أراضيها. لا أريد الاستقواء بإيران تماماً كما أرفض أن يستقوي أي عراقي آخر بأي دولة في الإقليم أو خارجه».
أورد المتحدث وقائع عدة وأعرب عن قلقه من قدرة طهران على تحريك الخيوط عبر علاقات نسجتها مع مجموعات حزبية وميليشيات دربتها وسلحتها ومولتها. لاحظ أن التدخل الإيراني يستدعي تدخلات أخرى أكد أنه يرفضها بالدرجة نفسها. وقال إن إيران بتدخلاتها ترشح العلاقات بين البلدين لتمزقات وأزمات مقبلة. وشدد على أن العراق سيكون مصدر خطر على أبنائه وجيرانه إن لم تحترم دول الجوار الحدود الدولية وتتوقف عن عرقلة مشروع قيام الدولة العراقية. قال إنه يريد إيران دولة مستقرة ومزدهرة لكنه لا يستطيع قبول أن تمسك بجزء من القرار العراقي. وأن لديه المشاعر نفسها تجاه سورية والسعودية والأردن وتركيا.
اعترف المتحدث بأن القوى السياسية العراقية تتحمل مسؤولية كبرى في تعثر عملية إعادة بناء الدولة. واتهم غالبية القوى بتقديم الحسابات المذهبية أو العرقية أو المناطقية على الحسابات الجامعة والمساحات المشتركة. لكنه اعتبر أن غياب التدخلات الدولية والإقليمية سيوفر في حال حصوله فرصة للقاء العراقيين في دولة تتسع لكل المكونات العراقية.
لا أريد أن أشاطر القارئ تشاؤمه لكنني اعتبرت أن من حقه طرح مخاوفه حتى ولو حالت ظروف عمله دون إيراد اسمه.




















